الرئيسية / الفتاوى / إسقاط القروض

إسقاط القروض

السؤال :

السؤال : يعاني عدد كبير من المواطنين بالديون التي تحملوها إما بسبب المعيشة أو السكن أو شراء السيارات أو التزامات كثيرة ، وكثير منهم في السجون بسبب العجز عن سداد ديونهم وكثيرون مهددون بالسجن أيضا . فمن واجب الحكومة أن تخفف عنهم أو تتحمل هذه الديون وهذا كما نعتقد أنه من واجبها . وسؤالنا عن حكم الشرع في هذا الموضوع .

الجواب :

ان ما يثار هذه الأيام من قضية اسقاط القروض، وكثرة أصوات أعضاء مجلس الأمة المحترمين وحماستهم في حسم هذا الموضوع، ورغم أنه من المواضيع التي ينتظرها عدد من المدينين والمقترضين، ونحن معنيون هنا ببيان الجانب الشرعي في هذا الموضوع، فالشرع بنصوصه المحكمة التي لا تحتمل التأويل يحرم الاقتراض بالربا أخذا وعطاء، كما يحرم الفوائد الربوية، ويمنع من ان يفرق في التعامل بين افراد المجتمع، ويعتبر ذلك من الجور، والخروج من العدل الى الظلم. وقد اهتم الفقهاء بناء على النصوص من الآيات والأحاديث في وضع الحدود والضوابط في تصرفات ولي الأمر، ممثلاً في ذاته أو السلطات التي تتبعه وإن مما لا خلاف فيه بين الفقهاء، بل بين المذاهب الاسلامية كلها ان ولي الأمر – السلطة التنفيذية وكذا التشريعية – انما يتصرف في بيت مال المسلمين – خزينة الدولة أو المالية العامة – بما فيه مصلحة الناس كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة ولي اليتيم»، فلا يجوز لولي الأمر أو السلطتين التصرف بما فيه ضرر عام، وان واجبهم تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ولو كثرت، ونص الفقهاء على أنه لا يجوز لولي الأمر ان يمنح أحداً من خاصته أو أقربائه أو أحداً من العامة قرضاً على بيت المال، وأشد من ذلك منعاً ان يتحمل ديوناً للغير يدفعها من بيت المال. وان الفقهاء شددوا كثيراً في مثل هذا التصرف، وعقدوا له عنواناً في كتبهم سموه «فساد بيت المال» ويعنون به تصرف الحاكم أو سلطاته بخزينة الدولة في غير مصلحة الناس، وأوجبوا منع هذا التصرف، وكف يد الحاكم أو السلطات عن مال الرعية، لأن «بيت المال» لكل مواطن جزء شائع في ماليته، وليس هو ملكاً للحاكم، فيمنع لمخالفته عقد البيعة الذي ينص على: ان يقوم ولي الأمر على سياسة الناس في دينهم ودنياهم وفق شرع الله، فدفع المال لغير مستحقه أو المحاباة فيه، أو اسقاط حق بيت المال، أو تحمل ديون الغير فساد أوجب الفقهاء ابطاله ومنعه.بل قالوا: لو فاض المال في بيت مال المسلمين – كما هو ظرف زيادة أسعار البترول وحصيلته في ميزانية الدولة اليوم – بعد أداء الالتزامات كلها فليس للحاكم أو سلطاته ان يتصرف الا في حالين: ان يفرقه بطريقة يعم نفعه سائر الرعية، أو ان يحفظه ويدخره للأجيال اللاحقة، لأن حق الناس ينتقل الى ذرياتهم. ونظر الشرع هنا لا يخالفه نظر الدستور أو القانون أو نظر الاقتصاديين فدستور البلاد نص على أن دين الدولة الاسلام، ونص في مادته السابعة على مبدأ رعاية العمل والحرية والمساواة بين الناس، وهو مبدأ اسلامي وليس في اسقاط القروض الثابتة في ذمة المدينين عدالة أو مساواة، بل هو تصرف في أموال الكافة دون رضاهم لمصلحة الخاصة، فما ذنب من لم يقترض، وقد تكون حاجته شديدة ولو يعلم بأن الدولة ستسقط القروض لاقترض، فأين العدالة في هذا وأعضاء مجلس الأمة معنيون بالحفاظ على أموال وحقوق المواطنين، وتحقيق العدالة واحترام الشرع والدستور، ثم ان اسقاط القروض من الجانب الاقتصادي  سيلحق بالاقتصاد الوطني الضرر ؛ لأنه يؤدي الى التضخم وارتفاع الأسعار ويشجع الاتجاه الاستهلاكي، ويفتح الشهية للاقتراض بالربا، ويؤدي الى ضياع فرص التنمية في المجتمع. وأكد ان هذا كله شرعاً ودستوراً وقانوناً واقتصاداً يحمل النائب مسؤولية تبدو ثقيلة ومهمة، وتظهر معدن النائب الناصح الأمين، اذ النائب وكيل عن المجتمع وليس وكيلاً عمن انتخبه أو عن مجموعة محدودة من المدينين، وقد حمل نفسه قسماً في الحفاظ على حقوق الناس والدفاع عنها، والنصح لهم وعدم غشهم، ولا ريب ان اسقاط القروض تضييع لحقوق الناخبين، وغش للنائب نفسه ولناخبيه، فهو على وعي أو هكذا ينبغي ان يكون، وعي بالشرع وبالدستور وبالقانون، فلا يخالف قناعته والتزامه بواجبه ولو خالفه بعض ناخبيه، وقد فوضوه بتقدير المصالح وألزموه درء المفاسد ولا ريب عند التحقيق والتجرد ان اسقاط القروض من باب المفاسد العامة الواجب درؤها  ولو وقع النائب في حرج أمام بعض ناخبيه فهذه أمانة، -ولو كانت كثير من القروض خالية من الربا - ولأمر ما قيل: فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. و مما سبق كله وخاصة تحميل النائب المسؤولية فيه لا يعني اهمال النائب ولا السلطتين مطالبات الكثيرين باسقاط القروض فهم بعض المجتمع ولهم حقوق كما ان عليهم التزامات مثل غيرهم، وكثير منهم ركبتهم الديون في حاجة شديدة أو ضرورة ملحة لم تكن في حسبانهم ويجب تقدير ظرف هؤلاء فصاحب الدين ذليل النهار مهموم الليل، وقد يكون منهم من هو عرضة للسجن، أو هو الآن كذلك، فواجب النائب والسلطتين التعاون في رفع هذا المشكل، وحل هذه الظاهرة التي قد يكون الواقع الاجتماعي سبباً من أسبابه فواجب النواب ان يضعوا الحلول الاقتصادية والاجتماعية والقانونية لهذا الواقع بعد دراسة حجم المشكلة وأسبابها بعيدا عن المال العام، ويضعوا البدائل ويقيني أنه ما دام الموضوع مالياً اقتصادياً ففتشوا على أهم أسبابه وهو آفة الاقتصاد المعاصر أعني به الربا ستجدون أنه السبب الأهم لأن الربا داهية الاقتصاد وانهيار أسواق المال والمجتمعات، ولذا استحق أشد آية نزلت في كتاب الله فقد أعلن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الحرب على الربا وأهله، وربط ايمان الناس بوقوفهم مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في صف واحد لحربه فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}. وعليه فليس من الأمانة ولا من العدل المطالبة باسقاط القروض أو الفوائد. والله أعلم