الرئيسية / المقالات / الفتوى الشاذة وخطورتها

الفتوى الشاذة وخطورتها

 

 

 

الفتـاوى الشـاذة

وخطورتها

 

 

إعــداد

أ . د . عجيل جاسم النشمي


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على البعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد .

فإن الفتوى وهى الإعلان والكشف عن حكم الشرع في واقع حال أو نازلة طرأت أو أمر مستحدث مما لا يسع أهل الفقه كتمه أو تأخير بيانه سواء تعلق البيان بوقائع أحوال خاصة أو عامة ، شخصية أو اجتماعية أو تربوية أو فكرية أو اقتصادية أو سياسية ، وأخيرتها أخطرها .

 

والفتوى امتحان للفقيه وللعامة أيضا فمن رأى من الناس منكراً ، أو استشكل أمرا في الدين مهما عظم شأنه أو هان ، فليس له إلا سؤال أهل العلم . وإذا علم الجواب فليس له إلا العمل به ديانة  ، ولا يكفيه السكوت عن الإنكار والسؤال . بل قد يحرم ، وهذا امتحانه .  ولذا  كان” شفاء العي السؤال ” كما أخبر النبي r .

 

والفقيه إنما يمتحن في الكشف عن حكم الشرع وإظهاره ، وحرمة الكتمان ، أو تأخير البيان عن وقت الحاجة . حذراً من أن يلجم بلجام من نار يوم القيامة كما توعده النبي r .

وقد يكون في البيان فتنة في نفسه وأهله أو ماله . وقد لا تشفع له مكانته ولو كان رأساً في العلم والدين . فقد سجن الأئمة وعذبوا عذاب المجرمين وأشد ، وما ذاك إلا بسبب الفتوى .

فقد ضرب أبو جعفر المنصور الإمام أبا حنيفة بالسياط ضرباً شديداً ، وكاد الرشيد أن يقتل الإمام الشافعي حين قتل سبعة من العلويين ، ولكن الإمام نجى بحفظ الله ثم بقوة حجته . وجلد جعفر بن سليمان الإمام مالكاً ثمانين سوطاً ، وقد مدوه في الحبل بين يديه حتى خلعوا كتفيه . وضرب المعتصم الإمام أحمد بن حنبل بالسياط حتى خلعت يداه ، وحبس حبساً طويلاً ، وكانت فتنة الأئمة وثباتهم وتحملهن أذى أنفسهم نجاة للأمة وحفظاً لدينها وقدوات لها أبد الدهر ([1]) .

ويمكن القول : إن حاجة الناس إلي الفتوى لا تكاد تنفك عن حاجتهم إلى حفظ الدين أو النفس أو المال أو النسل أو العقل ، فقد تكون سبيلاً ومقدمة يتوقف عليها حفظ هذه الضرورات أو الكليات الخمس ، فتأخذ حكم مقدمة الواجب .

وإذا كان هذا خطر الفتوى وعظيم شأنها في حفظ الضرورات ، فإن خطورتها كذلك وعظيم شأنها في تفويت شيء من هذه الضرورات أعظم. وهذا شأن الفتوى إذا ضل صاحبها ثم غوى . فلم يراع فيها ربه  فقدم خوف سلطان السياسة – مثلا – على سلطان ربه فأخفي كلمة حق عند سلطان جائر ، أو لم يكتف بالسكوت حتى زين له ظلمه أو جهله . أو قد ينحرف بالفتوى لهوى يتبع فيه مالاً أو منصباً أو وجاهة ، ونحو ذلك من الأهواء المهلكات ، وينسى أنه مبين عن الله لا عن هوى نفسه فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه ، فلا يفتري بلسانه الكذب على الله وهو المحذر له القائل : ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ( .

وقد يهون الخطب – ولا يهون – أن لو كان ذلك في خاصة نفسه إذ يكفيه أنه أول من تسعر بهم النار، وأن يلجم بلجام من نار ، وتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه – عياذاً بالله – . كما توعد النبي r أولئك المفتين ظالمي أنفسهم . لكن الخطب الأعظم أن يفتي العامة ضلالاً فيتعلقون به وبفتـواه ، ويعملون بها ديانة وواقعاً . وهـو إنما يبيح لهم محرما أو يُلَبِّس عليهم فيه ، أو يُؤْكلهم حراما وسحتا . أو يبرر لهم منكرا لولاه لأنكروه وسعوا في تغييره ، فسـكتوا ظنا منهم صحة الفتوى ، وصدق قائلها . وجهلاً منهم أن من أفتاهم قد خرق معلوماً من الدين ، أو صادم نصاً . فشذ في فتواه وهم يجهلون شذوذه ، ولا يظهر لهم من حاله أنه إنما يلـوذ بشذوذ فتواه من خوف ضرر يصيبه ، أو يرجو بها مغنماً ومطمعاً ضل الناس أو أكلوا حراماً .

وهذا مكمن خطورة الفتوى وتعظيم شأنها إذا شذ بها المفتى فاستحق أشد تحذير وعذاب أليم توعد به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ضل وأضل بفتواه على علم فكان بذلك سبباً لغواية غيره وضلالهم . فيستحق عذاباً بعظم انتشار فتواه ، وبكثرة من ضل بسببه .

واعتباراً لخطورة الفتوى الشاذة على العامة خاصة ، وانتشارها وعموم الابتلاء بها في هذا العصر ، فقد أوليتها مزيد عناية في هذا البحث .

وانتباهاً وتنبيهاً لعظم شأن الفتوى ، وعظم خطورتها إذا انحرفت أو شذت عني بأمرها الأصوليون والفقهاء أيما عناية ، فلا يكاد كتاب – وفي أصول الفقه خاصة – يخلو من التعرض للفتوى والمفتى والمستفتى . وقد أفرد كثير من العلماء لها أبواباً في كتبهم ، بل أفرد لها العديد منهم مصنفات خاصة . وصدروا أبواب الفتوى ومصنفاتهم ببيان عظم شأن الفتوى ، وعظم خطورة الانحراف بها من غير أهلها . ومن ذلك افتتاح الإمام عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح مقدمة كتابه ” فتاوى ومسائل ابن الصلاح . فقال رحمه الله : لما عظم شأن الفتوى في الدين وتسنم المفتون منه سنام السناء وكانوا قرات الأعين لا تسلم بهم على كثرتهم أعين الاستواء فنعق بهم في إعصارنا ناعق الفناء وتفانت بتفانيهم أندية ذاك العلاء . على أن الأرض لا تخلو من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء . رأيت أن أستخير الله تعالى وأستعينه وأستهديه وأستوفقه وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت . أفصح فيه إن شاء الله تعالى عن شروط المفتي وأوصافه وأحكامه ، وعن صفة المستفتي وأحكامه ، وعن كيفية الفتوى والاستفتاء وآدابها . جامعاً فيه شمل نفائس ألتقطها من خبايا الروايا وخفايا الزوايا ، ومهمات تقر بها أعين أعيان الفقهاء ، ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته من الفهماء ، وتبادر إلى تحصيلها كل من ارتفع عن حضيض الضعفاء . مقدماً في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى وخطرها والتنبيه على آفاتها وعظيم غررها ليعلم المقصر عن شأوها المتجاسر عليها أنه على النار يسجر ، وليعرف متعاطيها المضيع شرطها أنه لنفسه يضيع ويخسر ، وليتقاصرعنها القاصرون الذين إذا انتزعوا على منصب تدريس واختلسوا ذروا من تقديم وترييس جانبوا جانب المحترس ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس . اللهم فعافنا واعف عنا وأحلنا منها بالمحل المغبوط ، ولا تحلنا منها بالمحل المغموط ، واجعل ما نعانيه منها على وفق هداك وسبباً وأصلاً بيننا وبين رضاك إنك الله لا إله إلا أنت حسبنا ونعم الوكيل .

قال الإمام أحمد بن حمدان في مقدمة كتابه : لما كان المفتى هو المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله هو المخبر عن الله بحكمه . وقيل هو المتمكن من معرفة أحكام الوقائع شرعاً بالدليل مع حفظه لأكثر الفقه عظم أمر الفتوى وخطرها ، وقل أهلها ومن يخاف إثمها وخطرها ، وأقدم عليها الحمقى والجهال ورضوا فيها بالقيل والقال ، واغتروا بالإمهال والإهمال ، واكتفوا بزعمهم أنهم من العدد بلا عدد ، وليس معهم بأهليتهم خط أحد ، واحتجوا باستمرار حالهم في المدد بلا مدد ، وغرهم في الدنيا كثرة الأمن والسلامة ،  وقلة الإنكار والملامة . أحببت أن أبين صفة المفتي والمستفتي والاستفتاء والفتوى وشروط الأربعة ، وما يتعلق بذلك من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح لينكف عن الفتوى أو يكف عنها غير أهلها. ويلتزم بها كفؤها وبعلها ، ويعلم حال السائل والمسئول ، ويمنع منها من لا حاصل له ولا محصول وهو إلى الحق بعيد الوصول ، وإنما دأبه الحسد والنكد والفضول ، ومن لا يصلح للفتوى لا يصلح للقضاء .

هذا وإن الشكوى والضجر من بعض المفتين قديم حتى في عصر كثر فيه المجتهدون ، فما بالنا في هذا العصر الفقير فقهاً وورعاً . وأما الفتوى الشاذة  فلا نكاد نجد لها ذكراً في الأولين ، وأما الآخرين فحدث ولا حرج ولا حول ولا قوة إلا الله .

وقد وضعت هذا البحث في مبحثين  :

§       المبحث الأول : في الفتوى الشاذة وخطورتها .

§       المبحث الثاني : في بعض تطبيقات الفتوى الشاذة  .

والله أسأل التوفيق والسداد … .


المبحث الأول

في الفتـوى الشـاذة

 

تعريف الشذوذ :

الشذوذ في اللغة : مصدر شذ يشذ شذوذاً إذا انفرد عن غيره . والشاذ : المنفرد عن غيره , أو الخارج عن الجماعـة , ومن الناس خلاف السوي , وعن الليث : شذ الرجل : إذا انفرد عن أصحابه . وكذا كل شيء منفرد فهو شاذ . وقال عبد العزيز البخاري في قوله صلى الله عليه وسلم :” من شذ شذ في النار “; بأن الشاذ من خالف بعد الموافقة ، يقال : شذ البعير وند إذا توحش بعدما كان أهليا ([2]) .

       قال الغزالي : الشاذ عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها . ثم بين ذلك بأن من دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده ، وهو الشذوذ . أما الذي لم يدخل أصلاً فلا يسمى شاذاً ([3]) . ومثله قـول الآمدى :  الشاذ هو المخالف بعد الموافقة لا من خالف قبل الموافقة ، وبمثله قال الشوكانى أيضاً ([4]) .

وقال في البحر : اختلف في الشذوذ , وما هو ؟ فقيل : هو قول الواحد , وترك قول الأكثر , وقال أبو الحسين بن القطان : هو أن يرجع الواحد عن قوله ، فمتى رجع عنه سمي شاذاً ، كما يقال : شذ البعير عن الإبل بعد أن كان فيها . فأما قول الأقل فلا معنى لتسميته شاذاً ؛ لأنه لو كان شاذاً لكان قول الأكثر شاذاً ([5]) .


وعرف بأنه الذي لم يكثر قائله ، أي لم يصدر من جماعة .

وقال الغزالي:  الشاذ عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها ومن دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو الشذوذ أما الذي لم يدخل أصلاً فلا يسمى شاذاً فإن قيل فقد قال عليه السلام : عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد .  قلنا أراد به الشاذ الخارج على الإمام بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة وقوله وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق ولهذا قال عليه السلام والثلاثة ركب ([6]) .

الشذوذ في الاصطلاح :

عرف ابن حزم الشاذ بالمعنى العام بأنه : الباطل فقال : ليس شيء في الشريعة شاذا ، تعالى الله أن يلزمنا الشواذ بل كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فهو حق ، والحق لا يكون شاذاً ، وإنما الشاذ الباطل ([7]) .

وعرف ابن القيم الشاذ بالمعنى العام أيضا بأنه : ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحداً منهم فهم الشاذون ، وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة ، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة ([8]) .

 

وقد ينسب الشذوذ إلى القائل به لا إلى القول كما عبر أطفيش عند كلامه عن اللقطة ([9]) . والطحاوي في مشكل الآثار ([10]) ، وأكثر منه الآمدي في الإحكام ، كما عبر بذلك كثير من الفقهاء والأصوليين ، وهم إنما يريدون المحل .

وعند أهل اللغة أن الفصيح إذا أراد بيان خاص شاذ فإنه ينص عليه ولا يضرب عن ذكره وهو يريده ولا يأتي بعبارة مع قرائن دالة على قصد التعميم وهو يبغى النادر قال الشافعي : الشاذ ينتحى بالنص عليه ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة ([11]) .

وقال الغزالي : ليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ ([12]) .

 

تعريف الفتوى الشاذة :

لم أقف على من عرَّف ” الفتوى الشاذة ” بخصوصها ، وإن تكلموا عن الأحكام المتعلقة بها – من حيث مفهوم الشاذ عندهم  كما سيأتي – . لكن إذا جرينا على المعنى العام للفتوى وهي : الإخبار عن الحكم . أو الإفتاء بمعناه العام وهو :  الإخبار عن حكم الشارع في أمر من الأمور بناء على استقراء الأدلة وإتباع مقتضياتها . وإذا عرفنا الشاذ بمعناه العام أيضا وهو : الباطل أو ما خالف الحق . أمكن القول : بأن الفتوى الشاذة هي : الحكم المصادم لنص الكتاب أو السنة ، أو كان لفظهما أو دلالتهما لا يحتمله تأويل المفتى ، أو كان حكمه مصادم لما علم من الدين بالضرورة ، أو مصادم لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه ؛ وذلك لأن الحكم لا يكون باطلا مردودا إلا في هذه الحال . فما كان من الفتـوى بهذه الصفة فهي الفتوى الشاذة .

وباستقراء مواضع استعمال الفقهاء للفظ ” الشاذ ” وصفا لقول أو رأى فإنـهم عند الإطلاق لا يقصدون به المعنى الذي ذكرت  . لاشتراطهم في المفتى شروطا يبعد معها أن يقع في فتوى أو قول أو رأى هذا وصفه . وإن أرادوه نصوا على أن هذا القول مردود لمصادمته لنص الكتاب أو السنة أو مقاصد الشارع ومبادئه .

 وعليه فالقول أو الرأي أو الفتوى الشاذة بالمعنى الخاص في إطلاق الفقهاء والأصوليين  ما كان داخلا في عموم أدلة الشرع جملة . ولا يشكل على ذلك قول إمام الحرمين : إن الفتوى في الدين بغير دلالة أو إمارة خطأ فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ ([13]) . فهذا يفيد من كلامه : أن الفتوى الشاذة نظير للقول الخطأ ؛ لأنه قول في الدين بلا دليل ، لكن مصطلح الفتوى الشاذة عندهم أخص من الفتوى في الدين بغير دلالة ؛ لأنه عندهم قول بدلالة . – كما سيتبين – .

 


إطلاقات لفظ الشاذ عند العلماء :

تختلف إطلاقات الشاذ – في جملة –  عند العلماء فله مفهوم عند القراء والمفسرين والمحدثين كما أن له مفهوما عند الفقهاء والأصوليين .

 

إطلاقات الشاذ عند القراء :

الشاذ في اصْطِلاحِ القراء عَكْسُ الْمُتَوَاتِرِ والْمُتَوَاتِرَ عندهم قِرَاءَةٌ سَاعَدَهَا خَطُّ الْمُصْحَفِ مع صِحَّةِ النَّقْلِ فيها وَمَجِيئُهَا على الْفَصِيحِ من لُغَةِ الْعَرَبِ قال الشَّيْخُ أبو شَامَةَ:  فَمَتَى اخْتَلَّ أَحَدُ هذه الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ على تِلْكَ الْقِرَاءَةِ أنها شَاذَّةٌ قال : وقد أَشَارَ إلَى ذلك جَمَاعَةٌ من الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَنَصَّ عليه أبو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بن أبي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيُّ  ([14]) .

قال القاضيَ جلال الدين البُلقينيّ :‏ القراءة تنقسم إلى متواتر وآحاد وشاذ‏.‏
فالمتواتر: القراءات السبعة المشهورة. والآحاد: قراءات الثلاثة الَّتي هي تَمام العشر، ويلحق بها قراءة الصحابة‏.‏ والشاذّ: قراءة التَّابعين، كالأَعمش ويحيى بن وثَّاب، وابن جُبير، ونحوهم. وهذا الكلام فيه نظرٌ يُعرَف ممَّا سنذكره‏.‏ قال الإمام ابن الجزريّ، قال في أَوَّل كتابه [النشر‏]:‏ كلُّ قراءةٍ وافقت العربيَّة ولو بوجه، ووافقت أَحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصحَّ سَنَدُها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردُّها ولا يحلُّ إنكارها، بل هي من الأَحرف السبعة الَّتي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها؛ سواء كانت عن الأَئمة السبعة، أَم عن العشرة، أَم عن غيرهم من الأَئمة المقبولين. ومتى اختلَّ ركن من هذه الأَركان الثلاثة أُطلِق عليها ضعيفة أَو شاذَّة أَو باطلة، سواء كنت عن السبعة أَو عمَّن هو أَكبر منهم.
هذا هو الصَّحيح عند أَئمة التحقيق من السَّلف والخلف، صرَّح بذلك الدانيّ ومكيّ والمهدويّ، وأَبو شامة، وهو مذهب السَّلف الذي لا يعرف عن أَحدٍ منهم خلافه.‏
قال أَبو شامة في [المرشد الوجيز‏]:‏ لا ينبغي أَن يُغترّ بكل قراءة تُعْزَى إِلى أَحد السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة، وأَنها أنزلت هكذا، إِلاَّ إِذا دخلت في ذلك الضابط. وحينئذ لا ينفرد بنقلها عن غيره، ولا يختصُّ ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القرَّاء، فذلك لا يخرجها عن الصحَّة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأَوصاف، لا على مَن تنسب إليه ؛ فإنَّ القراءة المنسوبة إلى كل قارئٍ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذّ، غير أَنَّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم‏ ([15]) .

وللقراءة الشاذة أثر في الخلاف بين الأمة قال العطار : ولا تجوز القراءة بالشاذ أي ما نقل قرآنا آحادا لا في الصلاة ولا خارجها بناء على الأصح المتقدم أنه ليس من القرآن وتبطل الصلاة به إن غير المعنى وكان قارئه عامدا عالما كما قاله النووي في فتاويه والصحيح أنه ما وراء العشرة أي السبعة وقراءات يعقوب وأبي جعفر وخلف فهذه الثلاثة تجوز القراءة بها وفاقاً للبغـوي والشيخ الإمام والد المصنف – السبكي-  لأنها لا تخالف رسم السبع من صحة السند واستقامة الوجه في العربية ([16]) .

وقال البرماوي وتكره قراءة ما صح  من غير المتواتر ، وهو الشاذ ، نص عليه الإمام أحمد ، قدمه ابن مفلح في ” فروعه ” .

وقال في التحبير:  اختلف العلماء في الشاذ ، فالصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه أصحابه : أن الشاذ ما خالف مصحف عثمان بن عفان – رضي الله عنه – الذي كتبه وأرسله إلى الآفاق . فتصح الصلاة  بقراءة ما وافقه ، وصح  سنده  وإن لم يكن من العشرة ،  نص عليه الإمام أحمد  . قال ابن مفلح في ” فروعه ” : تصح بما وافق عثمان ، وفاقاً للأئمة الأربعة ، زاد بعضهم : على الأصح ([17]) .

وقالوا إن القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء وما صح من الشاذ ولم يتواتر وهو ما خالف مصحف عثمان نحو فصيام ثلاثة أيام متتابعات ففي صحة الصلاة بها روايتان ، وقال البغوى من الشافعية هو ما وراء العشرة قال أبو العباس قول أئمة السلف : إن مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة لا مجموعها والشاذ حجة عند إمامنا والحنفية ، وذكره ابن عبد البر إجماعاً ([18]) .

وقال أبو المعالي الجويني في ” البرهان ” : إن الشافعي إنما لم يقل بالتتابع كأبي حنيفة ؛ لأن عنده أن الشاذ لا يعمل به ، وتبعه الغزالي في ” المنخول ” ، والقشيري ، وإلكيا ، وابن السمعاني ، فهؤلاء الجماعة تابعوا أبا المعالي . ومستنده في ذلك : عدم إيجاب الشـافعي التتابع في الصيام في كفارة اليمين مع قراءة ابن مسعود . قال بعضهم :  وهو عجيب ، فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك عند الشافعي ، أو لقيام معارض ([19]) .

وقال ابن العربي : القراءة الشاذة لا توجب علماً ولا عملاً ، ثم قال : قال أبو حنيفة توجب العمل ، قال : لأنه خبر واحد فأوجبت العمل كسائر أخبار الآحاد قلنا لا يليق هذا التحقيق بأبي حنيفة رحمه الله من وجهين أحدهما إن العمل بالقرآن إنما هو فرع على حصول العلم بطريقة ؛ لأن مبناه الإعجاز وطريقة التواتر فإذا حصل هذا الأصل مستقرا نظر بعده في الفرع وهو وجوب العمل ، والثاني أن قراءة أبي كعب وعبد الله بن مسعود ( فصيام ثلاثة أيام ) زيادة في الأصل والزيادة في الأصل إذا لم ينقل نقل الأصل عند أبي حنيفة ساقطة فكيف يقول بها في مثل هذا وأيضا فإن الزيادة عنده على النص نسخ ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمثله ([20]) .

ولعل القول الفصل ههنا ما ذكره الدبوسي حين قال : نحن نقول إن الاحتجاج بالقراءة الشاذة ساقط والدليل عليه شيئان أحدهما القرآن قاعدة الإسلام ومنبع الشرائع وإليه الرجوع في جميع الأصول ولا أمر فى الدين أهم منه والأصل أن كل ما جل خطره وعظم موقعه في أمر الدين فأهل الأديان يتواطئون ويتفقون على نقله وحفظه وتتوفر دواعيهم على ذلك فلو كانت هذه القراءة من القرآن الذي أنزله الله تعالى لنقل نقلا مستفيضا ولشاع ذلك في أهل الإسلام وحين لم ينقل دل أنه ليس بقرآن وإذا لم يكن من القرآن الذي أنزله الله تعالى لم يقم به حجة ؛ لأنه لو كان حجة لكان حجة من هذه الجهة ببينة أن لا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أعدوه من الأحكام لا من جهة التواتر ولا من جهة الآحاد وكونه موجوداً في بعض المصاحف لم يثبت أنه قرآن فمن أي وجه يدعون قيام الحجة به وقولهم إن القراءة الشاذة تنزل منزلة الخبر الواحد هذا دعوى ولا يعرف هذا وبأي دليل تنزل منزلة الخبر الواحد ونحن نعلم أنه لا نقل في هذه القراءات لا من قبل التواتر ولا من قبل الآحاد ويقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه على هذا المصحف الذي يدعى الإمام وهو الذي بين أظهرنا وأطرحوا ما عداه ، وروى أنهم حرقوا الباقي : وقيل : إنه دفن ، وقد نقل اضطراب ابن مسعود في ذلك غير أن الصحابة لم يلتفتوا إلى اضطرابه واتفقوا على ما اتفقوا عليه ([21]) .

 

 

الشاذ عند المفسرين :

باستقراء استعمال مصطلح الشاذ عند المفسـرين يلحظ أن الشاذ عندهم  ما كان تفسيراً للفظ بمعنى لا يقتضيه ، أو لا يحتمله اللفظ ، أو كان احتمال المعنى ضعيفاً ، كما أنهم يعبرون عن التفسير الشاذ إذا افتقر إلى قرينة أو دليل ولم يوجد .

ومن الأول : تفسير قوله تعالى : ) فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ( بقطع الألف ، وقد روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ، ثم أراه كيف أحيا باقي جسده . قال قتادة : إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض ؛ لأن أول ما خلق الله منه رأسه ، وقيل له : انظر ، فقال عند ذلك : أعلم بقطع الألف أي أعلم هذا . وقال الطبري في قوله : ) فلما تبين له ( أي لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه قال : أعلم .

 قال ابن عطية : وهذا خطأ ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف ، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري ، بل هو قول بعثه الاعتبار كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى : لا إله إلا الله ، ونحو هذا . وكذلك قال مكي بن أبي طالب : إنه أخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى فتيقن ذلك بالمشاهدة فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير ([22]) .

ومن الثاني : تفسير قوله تعالى : ) اقتربت الساعة وانشق القمر ( ، فقد روى حديث الانشقاق جماعة منهم عبد الله بن عمر ، وحذيفة ، وجبير بن مطعم ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعلى هذا جميع المفسرين إلا أن قوماً شذوا فقالوا : سينشق يوم القيامة . وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك ، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع ؛ ولأن قوله : ) وانشق ( لفظ ماض وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل ليس موجوداً ، وفي قوله : ) وإن يروا آية يعرضوا ( دليل على أنه قد كان ذلك ([23]) .   

الشاذ عند المحدثين :

 اختلف المحدثون في معنى الشاذ ، فقال الشافعي : هو أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس ، وليس من ذلك أن يروي ما لم يـرو غيره ، وحكي ذلك عـن جماعـة من الحجازيين . والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحـد , يشذ به ثقة أو غير ثقة ويتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به ويرد ما شذ به غير الثقة .

 وفرق عند المحدثين بين رواية المنفرد فلا يعد شاذاً ، وبين مخالفته للثقات فهذا هو الشاذ عندهم . قال ابن القيم : قد يتوهم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذاً . وإنما الشاذ ما خالف به الثقاب لا ما انفرد به عنهم . وقال الشافعي : ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات ([24]) .

 قال النووي : قال العلماء : الحديث ثلاثة أقسام ، صحيح ، وحسن ، وضعيف قالوا : وإنما يجوز الاحتجاج من الحديث في الأحكام بالحديث الصحيح أو الحسن . فأما الضعيف فلا يجوز الاحتجاج به في الأحكام والعقائد ، وتجوز روايته والعمل به في غير الأحكام كالقصص ، وفضائل الأعمال ، والترغيب والترهيب . فالصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ، من غير شذوذ ولا علة . وفي الشاذ خلاف ، مذهب الشافعي والمحققين أنه رواية الثقة ما يخالف الثقات . ومذهب جماعات من أهل الحديث ، وقيل : إنه مذهب أكثرهم : إنه رواية الثقة ما لم يروه الثقات وهذا ضعيف ([25]) . وعلى كلام الشافعي والمحققين فإن تفرد الثقة دون مخالفة غيره فحديثه صحيح وليس شاذاً .

وذكر الشيخ أبو عمرو الدمشقي : إذا انفرد الراوي بشيء فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك والضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره بل هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه كان انفراده به جازماً له مزحزحاً له عن حيز الصحيح .  ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ، وإن كان بعيداً من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر .

فحصل من هذا أن الشاذ المردود قسمان أحدهما الحديث الفرد المخالف.

       والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.  وقد جعل الشيخ أو عمر المنكر في معني الشاذ فقال : والصواب في المنكر التفصيل الذي بيناه في الشاذ فإنه بمعناه فالمنكر يكون قسمين على ما ذكرناه في الشاذ ، وقد عد البزدوي المجهول من الشاذ وانظر تفريعه عليه إذا قابله القياس ([26]) .

 


الفتوى الشاذة والاختلاف الفقهي :

تختلف الفتوى الشاذة  بالمعنى العام  – أي المصادم للنصوص –  عن الاختلاف الفقهي المعتبر اختلافا واسعا . من حيث الأصل الذي يبنى عليه كل منهما ، ومن حيث اعتبار الأثر أو الحكم . فالفتوى الشاذة – كما سـبق – إنما شـذت لفقدانها المسـتند الشـرعى ، أو لمصـادمتها النص ، أو لخروجها عن القواعد والمبادئ المؤصلة فقها المعتبرة شرعا . فما بني على ذلك فيها لا يحتمل إلا الرد ؛ لأنه أمر مما ليس عليه كتاب أو سنة بطريق مباشر أو غير مباشر .

أما الاختلاف الفقهي فهو مازال في دائرة القبول جملة أو تفصيلا إذ الأصل في الاختلاف الفقهي اختلاف وجهات النظر أو الاجتهاد في النص ، أو في التخريج عليه ، أو في القواعد الأصولية أو الفقهية المعتبرة في المذاهب ، أو في التخريج عليها  ، أو لاختلاف مناهج الاستنباط تبعا لقواعد المذهب ، أو لاختلاف مناطات العلل والأحكام ، أو في تخريج المناطات أو تنقيحها . ومن أوسع مراجع الاختلاف الاختلاف في طرق دلالات الألفاظ  ، فاختلف  منهج الحنفية عن منهج الجمهور ، كما اختلفوا في الاستدلال بالمفاهيم من حيث الاعتبار بها من عدمه  ، ثم كان للقواعد المتعلقة بدلالة الألفاظ محل للاختلاف من حيث دلالة العام والمطلق والمقيد وأحكامهما ، وكذا الألفاظ المشتركة واستعمالاتها  ، ثم باب التعارض بين ظواهر النصوص من حيث أسبابه وأحكامه حتى  وضع الأصوليون له بابا خاصا به هو باب  ” الترجيح عند التعارض ” . أضف إلى ذلك الاختلاف في طرق نظر الأصوليين في الاستنباط والاحتجاج ، خصوصا فيما إذا كان الحديث خبر آحاد ، أو خالف القياس ، وأحاديث المراسيل ، وقول الصحابى والمصـالح المرسلة والاسـتحسان والاسـتصحاب  وإجماع أهل المدينة . وفي عموم ما سمى بالأدلة المختلف فيها . فهذه هي محال الاختلاف في الجملة وكلها في نطاق الخلاف المقبول السائغ ؛ لأنه اختلاف مبناه النظر والاجتهاد في النصوص ، أو في دلالتها ، وليس شيء منها مصادم للنص ، أو خارج عن مبادئه . وذلك أمر مختلف لا ريب عن دائرة الشاذ المبتوت عن أصول الشرع ومبادئه ،  فالشذوذ في الفتوى باب منفصل عن باب اختلاف الفقهاء  .

ولعل الفقهاء والأصوليين لم يفردوا للفتوى الشاذة بابا يخصها لاتفاقهم على أن الاجتهاد لا يصح ولا يسوغ إلا إذا وقع من أهله وفي محله  ووفق ضوابطه . فمن افتقد الأهلية لم يقبل منه فتوى بحال ، وكان فتواه المنسوبة إلى الشرع قول في دين الله بلا دليل .

وهذا تنبيه مهم لفهم مصطلح ” الشاذ ” عند الأصوليين والفقهاء عند الاستعمال والإطلاق . وهذا ما يتعين فهمه وتفصيله .

 

الشاذ عند الأصوليين والفقهاء :

يختلف معنى الشاذ في اصطلاح الفقهاء والأصوليين تبعا لاختلاف المعنى الاصطلاحي :

الشاذ أو الضعيف في اصطلاح الحنفية :

الشاذ أو الضعيف عند الحنفية هو ما قابل الصحيح . جاء في حاشية ابن عابدين : الأصح مقابل للصحيح ، والصحيح مقابل للضعيف ، لكن في حواشي الأشباه لبيري : ينبغي أن يقيد ذلك بالغالب : لأنا وجدنا مقابل الأصح الرواية الشاذة .

وقد منع الحنفية القضاء بالرواية الشاذة فى المذهب ما لم يكن العمل عليها . قال ابن عابدين : ان القاضي المقلد لا يحكم إلا بظاهر الرواية لا بالرواية الشاذة ، إلا أن ينصوا على أن الفتوى عليها ([27]) .

وجاء في الدرر : ليس للقاضي أن يحكم بما يخالف ظاهر الرواية وبالرواية الشاذة ما لم يصرح بأن الفتوى هي على خلاف الظاهر . أما إذا لم يوجد في ظاهر الرواية شيء فيتعين أن يحكم بخلاف ظاهر الرواية ([28]) . 

 

الشاذ في اصطلاح  المالكية : عنى المالكية بتفصيل ما به الفتوى عندهم ، كما عنوا ببيان الشاذ والضعيف وهما في مقابل الصحيح والمشهور .

قال الدسوقي شارحاً قول خليل : ما به الفتوى : إما مشهور فقط ، أو راجح فقط ، أو مشهور وراجح ، والمرجح ما قوي دليله ، والمشـهور فيه أقوال قيل : إنه ما قوي دليل فيكـون بمعنى الراجح ، وقيل : ما كثـر قائله وهو المعتمد ، ثم قال : الفتوى إنما تكون بالقول المشهور أو الراجح من المذهب ([29]) .

ويستعمل المالكية الشاذ في مقابل المشهور قال ابن الحاجب : إذا ذكر المشهور فالمقابل شاذ ، ومثله قال الخرشي : الشاذ مقابل للمشهور ، والضعيف في مقابل الراجح . وعليه فالقول الضعيف والشاذ من باب المرجوح لا يفتي ولا يحكم به في مقابل الراجح والمشهور . وقد يطلقون الضعيف كالشاذ على كل ما يقابل المشهور والراجح وبين الضعيف من حيث موضوعه والشاذ خلاف .

فالقول الضعيف : هو ما لم يقو دليله ويقابل الراجح ، وينقسم إلى قسمين ضعيف نسبي ، وضعيف المدرك .

1 – فأما الأول : فقد عارضه ما هو أقوى منه ، فيكون ضعيفاً بالنسبة لما هو أقوى منه ، وإن كان له قوة في نفسه .

2 – وأما الثاني : فهو الذي خالف الإجماع ، أو القواعد ، أو النص ، أو القياس الجلي ، فيكون ضعيفاً في نفسه .

وأما القول الشاذ : فهو الذي لم يكثر قائله ، ويقابل المشهور ، ويلاحظ أن القول الضعيف يعتبر مرجوحاً بالنسبة لموازنة أدلة الأقوال بعضها ببعض ، فيقدم ما دليله أقوى ، على ما دليله أضعف ، أو على الذي لا دليل له .

وأما القول الشاذ ، فقد يكون دليله قوياً ، إلا أن صفة التفرد لم تقو أمام مقابله وهو المشهور ، ولذلك مُنع المقلد من العمل بالشاذ فبالأحرى الضعيف ؛ لأنه لا ينظر إلى الأدلة لعدم الاستعداد وضعف المؤهلات ، وإنما يقلد المنصوص عليه في المذهب من جنس ما رجح أو شهر ، أو جرى به العمل .

أما المجتهد فقد يعمل بالقول الضعيف لقيام موجب ، أو بالقول الشاذ إذا ظهرت له حجته ، وقام عنده دليله .

 

حالات العمل بالضعيف والشاذ :

يعمل بالضعيف والشاذ في حالين :

الأولى : العمل بهما في مقابل الراجح ، أو المشهور في نطاق ما جرى به العمل . فما جرى به العمل فيه بالضعيف والشاذ . وفي نوازل الأحكام للرهوني : إن القول الشاذ إذا جرى عليه عمل القضاة والمفتين واستمر حكمهم به مقدم في الأخذ به على القول المشهور ، فيجب على القاضي الحكم به ويمضي حكمه به ولا ينقض .

الثانية : أنه يفتي بهما في حالة الضرورة ، ومن أجل ذلك ذكرت في كتب الفقه الأقوال الضعيفة والشاذة ، بجانب الأقوال المعتمدة .


قال صاحب مراقي السعود :

وذكر ما ضُعِّفَ ليس للعمل
بل للترقي لمدارج السَّنا
ط

 

إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل
ويحفظ المَدْرَكَ من له اعتنا
ط

وقال الشيخ المسناوي رحمه الله :

ذكر الأقوال مع امتناع الحكم بغير المشهور أمران :

       اتساع النظرة ، ومعرفة مدار الأقوال .

       وليعمل بالضعيف في نفسه إذا تحقق ضرورته .

ولا يجوز للمفتي أن يفتي بغير المشهور ؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه .

وجاء عن الشيخ التاودي بن سـودة : إن فائدة حكاية الأقوال الضعيفة وصورها ، هو الرجوع إليها عند الحاجة ، والعمل بها عندما يعسر الأمر في غيرها.

ويوافق الحنفية أيضاً في إمضاء العمل بالضعيف أو الشاذ إذا صدر لأجل الضرورة ، أو كان الحاكم من أهل العمل والترجيح . فقد ذكر ابن عابدين استثناء من منع الحكم بالضعيف حيث قال : إلا لعامل له ضرورة أو له معرفة .

 

شروط العمل بالضعيف أو الشاذ في حالة الضرورة :

فمن جملة تلك الشروط :

1 – ألا يكون القول الضعيف أو الشاذ شديد الضعيف ، وذلك من جهة دليله .

2 – أن يثبت عزوه أي نسبته إلى قائله خوف أن يكون ممن لا يقتدي به ، إما لضعفه في الدين ، أو العلم ، أو الورع .

3 – أن تتحقق الضرورة في نفس المستفتي ، إذ لا يجوز للمفتي أن يفتي غيره بغير المشهور ؛ لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة إلى غيره ، كما يتحققها من نفسه ، ولذلك سدوا الذريعة فقالوا تمنع الفتوى بغير المشهور خوف أن لا تكون الضرورة محققة ، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوماً ما .

الثالثة : إذا ظهرت المصلحة في الأخذ بالشاذ ، وهذا الإمام المازري وهو المشدد في ترك الشاذ يفتي بالشاذ في مسألة استحقاق الأرض من يد الغاصب ، وذلك لظهور المصلحة التي لم يتعلق له بها غرض نفساني ، وخالف المعهود من عادته من الوقوف مع المشهور ، وهذا ليس تناقضاً مع قوله السابق ؛ لأنه قرر هناك لزوم المشهور خشية تذرع أهل الفساد للفتوى بالشاذ للفتوى بالشاذ والضعيف ، أما حيث يظهر الوجه الذي يمكن من أجله العدول عن المشهور إلى الشاذ فلا مانع .

الرابعة : أن يحكم أو يفتي بالشاذ أو الضعيف إذا وقع على سبيل تحري الصواب ، فقد ذكر أبو عبد الله السنوسي : أن الحكم بغير المشهور والراجح لا ينقض إلا في الأحوال التالية :

1 – أن يكون الحكم خطأ بيناً .

2 – أن يقصد الحاكم إلى الحكم بشيء فيحكم بغيره غلطاً .

3 – أن يكون الحكم الواقع من الحاكم بالشاذ أو الضعيف لم يقع على سبيل تحري الصواب ، بل على سبيل قصد الهوى والميل للمحكوم له .

فقد حصر أبو عبد الله السنوسي أحوال نقض الحكم بغير المشهور والراجح فيما ذكر ، ويستفاد من الحالة الثالثـة أن الحكم بالشـاذ أو الضعيف يجـوز ويمضي إن وقع على سـبيل تحري الصواب ، لا على سـبيل قصد الهوى والميل للمحكوم له ، وهذا الرأي مطلق سواء كان القاضي مقلداً أو مجتهداً ، على أن بعض الفقهاء اشترطوا في القاضي لكي يمضي حكمه بالشاذ أو الضعيف : أن يكون من أهل الترجيح ، وأن يكون لذلك الحكم مدرك ترجح عند ذلك الحاكم ([30]) .

وقد يكون شـذوذ القول عند الفقهاء لمعارضته لأقوال الأئمة والقائل به مجهول ، كمن اشترط أن يكون المفتى مشهورا ، أو أن يكون صاحب مذهب حتى يقبل قوله فقالوا : لا يشترط في المفتى الشهرة ولا أن يكون صاحب مذهب ، كما قال في البحر وشذذ قول من قال بخلافه ، قال: لا يشترط في المجتهد الذي يعتبر قوله أن يكون مشهورا في الفتيا ، بل يعتبر قول المجتهد الخامل خلافا لبعض الشاذين حيث فصل بين المشهور بالفتوى ، فيعتبر قوله دون غيره ، وعلل لذلك بأن العبرة بما فيه من الصفات لا بشهرته . ولا يشترط أن يكون صاحب مذهب ، بل يعتبر قوله مهما علم أنه مجتهد مقبول الفتيا ، بدليل أن الذي دل على صحة الإجماع متناول له ، ولا مخرج عنه ، فيعتبر قوله ([31]) .

ومثله شذوذ من خالف قول مالك في أمان المرأة . قال مالك : أمان المرأة جائز وكذلك عندي أمان العبد والصبي إذا كان الصبي يعقل الأمان . وقال غيره : ينظر فيه الإمام باجتهاده قال أبو عمر: وهو شاذ لم يقل به أحد من أئمة الفتوى ([32]) .

ولم نجد تعريفاً له عند الشافعية ، ولم يعبر الحنابلة فيما نعلم بالشاذ ، فيشمله كلامهم عن الضعيف ومنعهم العمل به دون ترجيح .

 


 

مخالفة المجتهد منفردا لا تعد شذوذا :

اختلف الأصوليون في المجتهد إذا خالف غيره من أهل الإجماع . وفيما إذا خالف منصوصاً عندهم . قال الشوكاني :  إذا خالف أهل الإجماع واحد من المجتهدين فقط فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون إجماعاً ولا حجة . قال الصيرفي : ولا يقال لهذا شاذ ؛ لأن الشاذ من كان في الجملة ثم شذ كيف يكون محجوجاً بهم ، ولا يقع اسم الإجماع إلا به . قال : إلا أن يجمعوا على شيء من جهة الحكاية فيلزمه قبول قولهم ، أما من جهة الاجتهاد فلا ؛ لأن الحق قد يكون معه .

وقال الغزالي : والمذهب انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفه الأقل ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري وأبي الحسين الخياط من معتزلة بغداد قال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين : والشرط أن يجمع جمهور تلك الطبقة ووجوههم ومعظمهم ولسنا نشترط قول جميعهم وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين .

وما قاله الشوكانى وحكى فيه مذهب الجمهور إنما هو على مذهب من لا يعد خلاف المجتهد الواحد والاثنين معتبراً في مواجهة جمهور المجتهدين . ولذا قال الجصاص في معرض كلامه عن الخاص : إن أجمع الجميع على استعمال أحد رأيين إلا واحداً شذ عنهم ، وعابوا على الواحد ما ذهب إليه فالعمل على ما اجتمعت عليه الجماعة .  قال الجصاص : وهذا يحتمل وجهين  : أحدهما انه لم يعد ذلك الشاذ خلافاً على الجمهور ، وإن كان من أهل عصرهم ، وإن شرط الإجماع عنده اتفاق مثل هذه الطائفة ، وأن من انفرد عنهم كان شاذا على مذهب من لا يعد الواحد ولا الاثنين من أهل العصر خلافاً على عظم الفقهاء  . والوجه الآخر أنه يعتد بخلاف هذا الواحد عليهم إذا كان من أهل العصر في حكم الحادثة التي لا أثر فيها ، إلا أنه لا يعتد به في الخاص والعام والخبرين المتضادين من جهة أنه جعل اجتماع الجمهور على حكم أحد الخبرين وإظهارهم النكير على من شذ عنهم مقويا لخبرهم ودالا على أنهم قد علموا نسخ الخبر الآخر بخبرهم الذي اتفقوا على استعماله لولا ذلك لما ساغ لهم النكير على مخالفهم في ذلك ، وهو مما يسوغ الاجتهاد فيه .

ولا يرى الجصاص لظهور النكير على المجتهد أو عدم ظهوره أثر ، وعلل لذلك بقوله : لأن من لا يعتد بخلافه لا يختلف حاله في ظهور النكير عليه ممن خالف عليه أو تركهم ذلك عند كثير ممن يعتد بخلاف الواحد على الجماعة . ونقل عن عيسى بن أبان خلافه ، فقد سوغ عيسى بن أبان اجتهاد الرأي في الخبرين المتضادين والمصير إلى قول الواحد الشاذ دون الجماعة إذا لم تعب الجماعة على الواحد ما ذهب إليه من ذلك ([33]) . وقد بين الجصاص سبب قول عيسى هذا فيرجع إليه في المرجع المذكور .

 

ما يتعلق بالشاذ من أحكام :

 العمل أو الفتيا أو القضاء بالقول الشاذ يختلف بالنسبة للمجتهد والمقلد والعامي.

 أما المجتهد : فإنه لا يجوز له التقليد في الجملة . وإنما عليه النظر في الأدلة والترجيح بينها ، وسـواء في ذلك العمـل في حق نفسه أو في الإفتاء والقضاء ، ولا يوصف قوله بالشذوذ لمجرد مخالفة إمامه أو أحد الأئمة . هـذا بالنسبة للمجتهد المطلق .

وأما المجتهد في المذهب : فعليه النظر والاجتهاد فيما ذهب إليه إمام المذهب وأصحابه ، فيعمل بما يراه أرجح أو أصح في نظره ؛ لقوة دليله ولو كان هذا الرأي شاذاً مرجوعاً عنه . ولا يعد اختياره قولاً لإمامه ولو مرجوعاً عنه  شذوذا . كما قد يوهم قول الموسوعة الفقهية الكويتية ([34]) : أن ما كان كذلك فهو من الشاذ . ومما يرد هذا الوهم على سبيل المثال : أن للشافعي قولين ، القديم والجديد ، والجديد هو الصحيح وعليه العمل ، لأن القديم إذا خالفه الجديد مرجوع عنه إلا ما استثني من القديم . وقد أفتى بعض فقهاء الشافعية بالقديم في بعض المسائل ، فلا يعتبر اختيار هذا القول شذوذا كمالا يعتبر هذا مذهبا للشافعي ، وإنما يحمل على أن الذين أفتوا بالقديم أداهم اجتهادهم إليه لظهور دليله عندهم ، قال أبو عمرو بن الصلاح : يكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختياره مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه , فإنه إن كان ذا اجتهاد ، اتبع اجتهاده ، وإن كان اجتهاداً مقيداً مشوباً بتقليد , نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام ، وإن أفتى بيّن ذلك في فتواه ، قال النووي : من هو أهل للتخريج والاجتهـاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتيا ، وأن يبين في فتواه أن هذا رأيه ، وأن مذهب الشافعي كذا وهو ما نص عليه في الجديد . وكذلك كان أصحاب أبي حنيفة يأخذون بما قوي دليله في نظرهم ولو كان مرجوعاً عنه ، قال أبو يوسف : ما قلت قولاً خالفت فيه أبا حنيفة إلا قولاً قد كان قاله ، وروي عن زفر أنه قال : ما خالفت أبا حنيفة في شيء إلا قد قاله ، ثم رجع عنه ، قال ابن عابدين : فهذا إشارة إلى أنهم ما سلكوا طريق الخلاف ، بل قالوا ما قالوا عن اجتهاد ورأي . وقد ذكر الشيخ عليش : أن فائدة تدوين الأئمة للأقوال التي رجع عنها إمام المذهب أنه يصح أن يذهب إليها المجتهد أو من بلغ رتبة الترجيح ، وقد وجد ذلك لغير واحد من شيوخ أهل المذهب ، وفعله ابن القاسم في ثلاثة عشر موضعا من الكتاب ، وتلقاه بالقبول أشهب وسحنون .

وفي فتح العلي المالك : خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص ، صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد أرجح . 

وأما المقلد لمذهب من المذاهب : فإن الأصل المتفق عليه في الجملة أن العمل أو الإفتاء أو القضاء إنما يكون بالقول المشهور أو الراجح أو الصحيح في المذهب دون القول الشاذ . ذكر الشيخ عليش الخلاف بالنسبة  للمقلد – وهو من لم يبلغ درجة الاجتهاد والعامي – هل يجب عليهما التزام مذهب معين أو لا ؟ وهل يجوز الخروج منه أو لا ؟ وهل يجوز له أن يقلد المفضول أو يجب عليه البحث عن الأرجح علما ؟ قال الشيخ عليش بعد ذلك : إذا عرفت هذا استبان لك أن خروج المقلد من العمل بالمشهور إلى العمل بالشاذ الذي فيه رخصة من غير تتبع للرخص صحيح عند كل من قال بعدم لزوم تقليد أرجح . وللفقهاء تفصيلات في ذلك ينظر مصطلح ( اجتهاد وتقليد ) . وقال ابن أبي زيد : لا يصح تخيير المقلد ، بل يتعين القول الراجح ، فإن تأهل للترجيح وجب الأرجح برجحان القائل ، بناء على أن المصيب في الاجتهاديات واحد ، وأن تقليد المفضول مع وجود الفاضل ممنوع وهذا القول تعضده القواعد الأصولية ، وعليه بنى حجة الإسلام الغزالي والإمام المازري ، وهذا هو الحق والتحقيق ، ومن سلك سبيلا غير ذلك في القضاء والفتيا ، فقد اتبع هواه وهلك في بينات الطريق ، فالعمل بالراجح متعين عند كل عالم متمكن ، وإذا اطلع المقلد على خلاف في مسألة تخصه وفيها قول راجح بشهرة أو عمل ، أو غيرهما تعين عليه العمل على الراجح ولا يفتي بغيره إلا لضرورة فادحة والتزام مفسدة واضحة . وقال أبو إسحاق الشاطبي : المقلد أو المفتي لا يحل له أن يفتي إلا بالمشهور ([35]) .

وأيا كان تفصيل الكلام في الفتوى الشاذة في مصطلح الفقهاء ، سواء كانت قو ل مجتهد ، أو مجتهد في المذهب ، أو كان مقلدا ، فان قوله لا ينقض ، ولذا قال ابن القيم : لا يسوغ نقض أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الأئمة ([36]) .

حكم القضاء بالشاذ : منع الحنفية الحكم بالرواية الشاذة ، قال ابن عابدين في عقود رسم المفتي : ولا يجوز بالضعيف العمل ، ولا به يجاب من جاء يسأل . وذكر أيضاً أن القاضي لا يقضي بالضعيف حيث قال :

لكنما القاضي به لا يقضي
لا سيما قضاتنا إذ قيدوا
ط

 

وإن قضى فحكمه لا يمضي
براجح المذهب حين قلدوا
ط

وكذا منعوا الفتوى بالرواية الشاذة في المذهب ما لم يكن العمل عليها . قال ابن عابدين : إن القاضي المقلد لا يحكم إلا بظاهر الرواية لا بالرواية الشاذة ، إلا أن ينصوا على أن الفتوى عليها ([37]) .

وجاء في الدرر : ليس للقاضي أن يحكم بما يخالف ظاهر الرواية وبالرواية الشاذة ما لم يصرح بأن الفتوى هي على خلاف الظاهر . أما إذا لم يوجد في ظاهر الرواية شيء فيتعين أن يحكم بخلاف ظاهر الرواية ([38]) . 

 وقد فصل أبو الفضل قاسم العقباني من المالكية فقال : إن حكم القاضي بالشاذ ينظر في الحكم الذي عدل به عن المشهور إلى الشاذ ، فإن حكم به لمظنة أنه المشهور نقض حكمه ، وإن حكم به مع العلم بأنه الشاذ إلا أنه ترجح عنده ، فإن كان من أهل النظر ممن يدرك الراجح والمرجوح مضى حكمه ، وإن لم يكن من العلم بهذه المنزلة زجر عن موافقة مثل هذا أي ولم يمض حكمه .

 وقد كان المازري – وهو في طبقة المجتهدين عند المالكية – لا يخرج عن الفتوى بالمشهور ولا يرضى حمل الناس على خلافه – لكنه أفتى مرة بالشاذ وذلك في رواية الداودي عن مالك مع اعترافه بضعفها وشذوذها في مسألة استحقاق الأرض من يد الغاصب بعد  الزراعة , وخروج الإبان وخالف المعهود من عادته من الوقوف مع المشهور وما عليه الجماعة والجمهور للتشديد على الظلمة والمتعدين من أهل البغي والفساد ، وهو مألوف في الشرع وقواعد المذهب .

 وقال السبكي : إذا كان للحاكم أهلية الترجيح ورجح قولا منقولا بدليل جيد ، جاز ونفذ حكمه ، وإن كان مرجوحا عند أكثر الأصحاب ما لم يخرج عن مذهبه ، وليس له أن يحكم بالشاذ الغريب في مذهبه – أي على أنه من المذهب – وإن ترجح عنده ؛ لأنه كالخارج عن مذهبه ، فلو حكم بقول خارج عن مذهبه ، وقد ظهر له رجحانه ، فإن لم يشرط عليه الإمام في التولية التزام مذهب جاز ، وإن شرط عليه باللفظ أو العرف لم يصح ؛ لأن التولية لم تشمله . وقال الحنابلة : لا يجوز لمن انتسب لمذهب إمام معين أن يتخير في مسألة ذات قولين لإمامه أو وجهين لأحد من أصحابه فيفتي أو يحكم بحسب ما يختاره منهما ، بل عليه أن ينظر أيهما أقرب من الأدلة أو قواعد مذهبه فيعمل به لقوته ([39]) .

ولعل الذي يرجح من ذلك قول الحنابلة ، فان التخيّر لا يسوغ إلا مع تساوى الدليلين ، وشـأن من لديه قدرة على النظر في أدلة المذهب أن يتخير ما يسنده الدليل الأقوى ، ولا محل للحكم بالشاذ في هذه الحال  .

 

الفتوى بالقول الشاذ :

القول الشاذ والمرجوح أي الضعيف  لا يجوز الإفتاء بواحد منهما ولا الحكم به ولا يجوز العمل به في خاصة النفس ؛ لأن ما به الفتوى إما مشهور فقط ، أو راجح فقط ، أو مشهور وراجح . والمرجح عند المالكية : ما قوي دليله . والمشهور فيه أقوال : قيل : إنه ما قوي دليله فيكون بمعنى الراجح ، وقيل : ما كثر قائله ، وهو المعتمد ، وقيل : رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة والفتوى إنما تكون بالقول المشهور أو الراجح من المذهب ، وأما القول الشاذ والمرجح أي الضعيف فلا يفتى بهما ، فلا يجوز الإفتاء بواحد منهما ولا الحكم به . وقد نص المالكيـة على ذلك ورجحوا عليه – إنصافا منهم – قول مذهب آخر في المسألة ذاتها ، فيقدم العمل بقول الغير عليه ، لأن قول الغير قوي في مذهبه .

لكن المالكية اختلفوا في العمل بالشاذ في خاصة النفس  فذكر الحطاب عن ابن عمر جواز العمل بالشاذ في خاصة النفس ، وأنه يقدم على العمل بمذهب الغير ؛ لأنه قول في المذهب . قال الدسوقى : الأول هو اختيار المصريين ،  والثاني اختيار المغاربة كما قرره شيخنا . وقال الخرشى في شرحه لخليل بعد ذكر الخلاف في المسألة قال : الحكم الذي تجب  به الفتوى ، أي الإخبار بالحكم الشرعي بلا إلزام ، والقضاء أي الإخبار به بإلزام ، والعمل به في خاصة النفس وهو المشهور الذي كثر قائلوه ، والراجح الذي قوي دليله فتحـرم الفتوى ، والقضاء ، والعمل بالشاذ والضعيف ، ويقدم تقليد نحو أبي حنيفة والشافعي وأحمد على العمل بالشاذ والضعيف عند الضرورة قاله متأخرو المصريين . وقال متأخرو المغاربة : يقدم العمل بهما على التقليد عندهما اقتصارا على المذهب وتمسكا به ما أمكن ([40]) .

وقد شدد المالكية في ترك الشاذ والأخذ بالمشهور في المذهب قال في فتح العلى المالك : إن بيان المشهور وتمييزه عن الشاذ من أعظم الفوائد ، فإن أهل زماننا إنما يقولون في فتواهم على المشهور إذا وجدوه ، وقد قال الإمام المازري بعد أن شهد له بعض أهل زمانه بوصوله إلى درجة الاجتهاد أو ما قارب رتبته : وما أفتيت قط بغير المشهور ولا أفتي . وفي ابن عرفة : لا يعتبر من أحكام قضاة العصر إلا ما لا يخالف المشهور ومذهب المدونة . وقال أيضا : من المعلوم أنه يجب الاقتصار في القضاء والفتوى  والعمل على المشهور أو الراجح ، وطرح الشاذ ، والضعيف .

قال الحطَّاب : ” ولا تجوز الفتوى بغير المشهور ، ولا بغير الراجح … ” . وقال الدسوقي : ” لا يجوز القضاء إلا بالراجح من مذهب إمامه لا بمذهب غيره ، وبالضعيف من مذهبه ” . ومنه يعلم أن المالكية يطلقون لفظ ” المرجوح ” ويشمل عندهم الشاذ والضعاف .

وقال الزرقاني : ” إن حكم القاضي يكون بالمشهور أو الراجح من مذهبه ، ولا يجوز الحكم وكذا الإفتاء بالضعيف ، ولا الحكم بمذهب غيره .

وقد فرق القرافي في الحكم والفتوى بالراجح والمشهور بين المجتهد فمنع منه وأجيز للمقلد . فأجاب على سؤال : هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده أو له أن يحكم بأحد القولين ، وإن لم يكن راجحا عنده ؟ . جوابه : أن الحاكم إذا كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده ، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه ، وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به عن إمامه الذي يقلده في الفتيا ، وأما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعاً . نعم اختلف العلماء إذا تعارضت الأدلة عند المجتهد وتساوت وعجز عن الترجيح هل يتساقطان أو يختار واحدا منهما يفتي به ؟ قولان للعلماء فعلى القول أنه يختار أحدهما يفتي به . يختار أحدهما يحكم به مع أنه ليس أرجح عنده بالطريق الأولى ؛ لأن الفتيا شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة ، والحكم يختص بالوقائع الجزئية ، فإذا جاز الاختيار في الشرائع العامة فأولى أن يجوز في الأمور الجزئية الخاصة . وهذا مقتضى الفقه والقواعد وعلى هذا التقدير يتصور الحكم بالراجح وغير الراجح . وليس اتباعا للهوى لكن بعد بذل المجهود والعجز عن الترجيح وحصول التساوي ، وأما الفتيا والحكم بما هو مرجوح فمخالف للإجماع . فانظر وتأمل قول القرافي كيف منع المجتهد من الحكم والفتيا إلا بالراجح عنده ، وأجاز للمقلد أن يفتي أو يحكم بالمشهور وإن لم يكن راجحا عنده ولا صحيحا في نظره مع كونه أهلا للنظر وعارفا بطرق الترجيح وأدلة التشهير والتصحيح ، فإذا نظر ورجح عنده غير المشهور جاز له أن يفتي بغير الراجح عنده إن كان مشهورا عند إمامه وإن كان شاذا مرجوحا في نظره لكونه يقلد في ترجيح المشهور إمامه الذي قلده في الفتوى ([41]) .

وقد نص المازري على أن العدول عن المشهور أو ما رجحه شيوخ المذهب المالكي من ضعف العلم وقلة الدين ، وهذا هو الحق والتحقيق ، ومن سلك سبيلاً غير ذلك في القضاء والفتيا فقد اتبع هواه وهلك في بينات الطريق ، فالعمل بالراجح متعين عند كل عالم متمكن . وإذا اطلع المقلد على خلاف في مسألة تخصه وفيها قول راجح بشهرة أو عمل أو غيرهما تعين عليه العمل على الراجح ولا يفتي بغيره إلا لضرورة قادحة والتزام مفسدة واضحة ([42]) .

 

ونقل القرافي أن الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا يرفع الخلاف ، بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك الضعيف ، ثم قال شارحاً : – إن الفتوى أو الحكم – لا ننقضه لمصلحـة الأحكام . ويظهر بهذا التقرير سر قول الفقهاء : إن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض ،  ويرجع إلى قاعدة فقهية ، وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب ما لا ينقض , ولا يرد , وذلك لمصلحة الأحكام ورفع التشاجر والخصام  ([43]) .

وقد نص المالكية على حرمة أن يتبع القاضي أو المفتي في تقليد الشاذ هواه فإن أبغض شخصاً أو كان من ذوي الخمول شدد عليه فقضى عليه وأفتاه بالمشهور , وإن أحبه أو كان له عليه منة وكان من أصدقائه أو أقاربه واستحيا منه لكونه من ذوي الوجاهة أو أبناء الدنيا أفتاه أو قضى له بالشاذ الذي فيه رخصة ، وحكى ابن فرحون في منع ذلك الإجماع ، وذلك أن القول الشاذ وإن كان حقا مثلا فلم يتبعه هذا المقلد لأجل حقيقته ، بل لأجل متابعة هواه به .

 وقد قال بعض المفسرين في سر قوله تعالى لداود عليه السلام : ) ولا تتبع الهوى ( بعد أمره له أن يحكم بالحق أن فيه إشارة إلى أن الامتثال لا يكون بمجرد الحكم بالحق حتى يكون الباعث على الحكم به أحقيته لا اتباع الهوى ، فيكون معبود من اتصف بهذا هواه لا مولاه – جل وعلا – حتى إنه إذا لم يجد هواه في الحق تركه واتبع غير الله أما من قلد القول الشاذ ؛ لأنه حق في حق من قال به , وفي حق من قلده ولم يحمله عليه مجرد الهوى بل الحاجة والاستعانة على دفع ضرر ديني أو دنيوي ثم شكر الله تعالى على كون ذلك القول وافق غرضه ولو لم يجد من الحق ما يوافق هواه أجراه وخاف الله تعالى فهذا ترجى له السلامة في تقييده ذلك ([44]) .

 


تطبيقات الفتوى بالراجح مع ذكر الشاذ :

نص الفقهاء على الفتوى بالقول الراجح في كثير من المسائل مع ذكر القول الشاذ ، وعدم التشنيع عليه ؛ لأنه عن اجتهاد .

وقد اعتنى المالكية بذكر الشاذ من الأقوال في المذهب ، وفصلوا في حال تعارضه مع الراجح والمشهور . ويليهم في ذكر الشاذ في فروع مسائل المذهب الشافعية والحنفية ، وسنعرض أولاً لحال التعارض عند المالكية وتطبيقاتهم ، ثم نتبعه بتطبيقات الشاذ عند الشافعية والحنفية .

 

صور التعارض عند المالكية :

الأولى : أن يكون أحد القولين مشهوراً ومقابله شاذاً ، ككراء الأرض بما يخرج منها ، فالمشهور المنع والشاذ الجواز .

الثانية : أن يكون أحد القولين راجحاً ومقابله ضعيفاً كالتفرقة بين الصبيان في المضاجع ، فالراجح ندب التفرقة عند العشر سنين والضعيف ندبها عند السبع .

الثالثة : أن يكون أحد القولين راجحاً ومقابله مشهوراً ضعيف المدرك كتحلية الصبي بالذهب أو بالفضة أو إلباسه الحرير الخالص ، فإن الراجح هو التحريم في حق الصبي والمخاطب به وليه ، والمشهور جواز تحلية الصبي بالفضة وكراهة تحليته بالذهب وكراهة إلباس الولي الحرير له .

الرابعة : أن يكون أحد القولين مشهوراً وراجحاً ، والآخر شاذاً وضعيفاً كالجلوس على الحرير الخالص للرجال ، فإنه حرام على المشهور لكثرة قائله ، وحرام على الراجح أيضاً لقـوة دليل التحريم ، وهو نهيه r الرجال عن لباس الحرير ، فإن الجلوس عليه من جملة اللباس بدليل قول أنس بن مالك : إن هذا الحصير قد أسود من طول ما لبس ، ومعلوم أن لباس الحصير هو الجلوس عليه ، وأما قول ابن الماجشون : إن الجلوس ليس من اللباس في شيء ، فمردوده بكلام أنس المتقدم ، وأما تأويله كلام أنس بأنه كان يجعل حصيره غطاء فبعيد جدا ، وهذا على تسليم أن النهي إنما ورد عن اللباس فقط ، وليس كذلك ، بل ورد عن الجلوس أيضاً ، فيكون مقابله وهو الجواز شاذاً وضعيفاً ، وهو لابن الماجشون وبعض الشافعية والكوفيين ([45]) .

 

تطبيقات الشاذ عند المالكية :

في صلاة الجمعة : اختلف أهل المذهب فيمن صلى الظهر وكان من أهل الجمعة في وقت سعي الجمعة ، ثم فاتته الجمعة هل يعيد ظهراً أربعاً أبداً أم لا . فالمشهور الإعادة ، والشاذ عدمها ، وهو قول ابن نافع وابن وهب . قال المازري : القول المشهور مخرج على أن الوجوب تعلق بالجمعة ، فعلى هذا يقضي أربعاً ؛ لأنه لم يصل الواجب عليه ، والقول الشاذ مخرج على أن الوجوب تعلق بالظهر ، ويسقط وجوب الظهر الجمعة ، فلا يقضي ؛ لأنه أتى بالواجب عليه ! .

ومنها : قراءة الفاتحة : قراءة الفاتحة كلاً أو بعضاً في حال القيام ، ولا يعجز عن ذلك جالساً ، فإنه يجلس ويقرأ الفاتحة بعد قيامه لتكبيرة الإحرام وقدر ما يطيق من الفاتحة ، ويأتي بما عجز عنه منها جالساً على القول بوجوبها في كل ركعة ، وعلى القول الشاذ القائل بوجوبها في ركعة يقوم بقدر ما يمكنه ويسقط عنه معجوزة إلا في الأخيرة فيجلس ويأتي بأم القرآن أو بعضها واحترز ، بقوله فاتحة عما لو عجز عن السورة وحدها ، فإنه يتركها ويصلي قائماً ويركع إثر قراءة الفاتحة ([46]) .

ومنها : من أمر بالأذان أو الإقامة ، من أمر بالأذان فتركه لا تبطل صلاته ، وأما من أمر بالإقامة فتركها سـهواً لم تبطل صلاته ، وأما العامد ففيه قولان المشهور ، وأنها لا تبطل الشاذ أنها تبطل ، وهذا ما يقتضي أن من ترك الأذان عامداً لا إعادة عليه في الوقت ولا بعده ، وهو كذلك إلا ما وقع في كلام ابن عبد السلام من حكاية القول الشاذ بالإعادة في الوقت ، وهو غيره معروف كما قال ابن ناجي ([47]) .

 

ثانياً : تطبيقات الشاذ عند الشافعية :

في نذر الاعتكاف : إذا نذر اعتكافاً متتابعاً وشرط الخروج منه إن عرض عارض مثل مرض خفيف أو عيادة مريض أو شهود جنازة و زيارة أو صلاة جمعـة ، أو شرط الخروج لاشتغال بعلم أو لغرض آخر من أغراض الدنيا والآخرة صح شرطه على المذهب ، نص عليه في المختصر وقطع به الأصحاب في جميع الطرق ، ومنهم المصنف في التنبيه ، إلا صاحب التقريب والحناطي فحكيا قولاً شاذاً أنه لا يصح شرطه ، لأنه مخالف لمقتضاه فبطل ، كما لو شرط الخروج للجماع فإنه يبطل بالاتفاق ، وتابعهما على حكاية هذا القول الشاذ إمام الحرمين وغيره من المتأخرين ، وهو غريب ضعيف ، وهو مذهب مالك والأوزاعي ، ودليل المذهب أنه إذا شرط الخروج لعارض فكأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان ، وهذا جائز بالاتفاق ، قال أصحابنا فإذا قلنا بالمذهب نظر إن عين نوعاً فقال : لا أخرج إلا لعيادة المرضى أو لعيادة زيد أو تشييع الجنائز أو جنازة ويد خرج لما عينه ([48]) .

ومنها : في الاقتداء بالمحدث : لو اقتدى بمن ظنه متطهراً فبان بعد الصلاة محدثاً أو جنباً فلا قضاء على المأموم ، ولنا قول : إن كان الإمام عالماً بحدثه لزم المأموم القضاء ، وإلا فلا والمشهور المعروف الذي قطع به الأصحاب أن لا قضاء مطلقاً ، قلت : هذا القول الشاذ نقله صاحب التلخيص ([49]) .

ومنها : ولو قال لأجنبية إذا نكحتك فأنت عليّ كظهر أمي لم يصح ويجيء فيه القول الشاذ في مثله في الطلاق ([50]) .

ومنها : في إطلاق النية في الصوم : للفقهاء في إطلاق نية الصوم رأيان : الأول : عدم الصحة مع الإطلاق ، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة ، واستدلوا له بأنه صوم واجب فوجب تعيين النية له ، والثاني : صحة الصوم ، وهو قول الحنفية ، ورواية عن أحمد ، ووجه شاذ للشافعية حكاه صاحب التتمة عن الحليمي ، واستدلوا لذلك بأنه فرض مستحق في زمن بعينه ، فلا يجب تعيين النية له ([51]) .

ومنها : في الاحتلام : من احتلم ولم يجـد منياً فلا غسل عليه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم . ولو استيقظ ووجد المني ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل , لما روت عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام , قال : ” يغتسل ” , وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل قال : ” لا غسل عليه ” . ولا يوجد من يقول غير ذلك , إلا وجها شاذا للشافعية , وقولا للمالكية ([52]) .

 


ثالثاً : تطبيقات الشاذ عند الحنفية :    

في حرمة الميتة : كثيرا ما يعبر الحنفية بالشـاذ فيما خالف ظاهر الآية أو الحديث أو خالف قول الجمهور أو خالف ما عليه العمل . كحرمة الميتة قال الجصاص : قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تحريم الله تعالى إياها على الإطلاق قد أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها . وقد ذكر عن ابن جريج عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن , وهو قول شاذ وقد ورد الأثر بتحريمه واقتضى ظاهر الآية حظره ([53]) .

ومنها :  الإمساك عن الحقنة والسعوط في الصوم : قال الجصاص : الضرب الذي حصل عليه اتفاق المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب  والجماع , وشرط فيه عامة فقهاء الأمصار مع ذلك الإمساك عن الحقنة والسعوط والاستقاء عمدا إذا ملأ الفم, ومن الناس من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء , وهو قول شاذ والجمهور على خلافه ([54]) . 

ومنها : في فساد الإجازة بالشيوع : بأنه يؤجر نصيباً من داره ، أو نصيبه من دار مشتركة من غير شريكه ، أو من أحد شريكيه ، لكن كل نصيبه أو بعضه من شريكه فيجوز ، وجوازه بكل حال ، وعليه الفتوى ، لكن رده العلامة قاسم في تصحيحه بأن ما في المغني شاذ مجهول القائل فلا يعول عليه . وفي هذا إشارة إلى من الشاذ عند الحنفية ما كان مجهول القائل ([55]) .

ومنها : في الخلع : الخلع إذا جرى بلفظ الخلع مع ذكر العوض ولم ينو به شيئا , فهو طلاق ورجحه الرافعي في المحرر واختاره الإمام والغزالي والبغوي ونص في القديم أنه فسخ , والثالث أنه ليس بشيء; لأنه كناية في الطلاق ولم ينوه نص عليه في الأم وهو المختار ; لأنه لم يقم دليل على صراحته لا في الطلاق ولا في الفسخ ،  قال الخطيب تاج الدين : ما اختاره الشيخ الإمام من أن الخلع ليس بشيء مذهب لنفسه وهو معروف بأنه خارج عن مذهب الشافعي وإن كان قولا شاذا فلا يقلده فيه من يريد تقليد الشافعي فليعلم ذلك, ثم إنه بعد هذا لم يذكره في شرح المنهاج وشرح المنهاج متأخر عن ذكر هذه المسألة فلعله رجع عنه انتهي ([56]) .

 


تطبيقات الشاذ عند الأصوليين :

قال الجصاص في الخبر الخاص إذا لم يكن له معنى يحمل عليه بأنه شاذ فنقل عن عيسى بن أبان قوله : لا يقبل خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصا أو منسوخا حتى يجيء ذلك مجيئا ظاهرا يعرفه الناس ويعملون به مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم  أن ” لا وصية لوارث “  ، و ” ولا تنكح المرأة على عمتها ” ، فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول ؛ لأن مثله لا يكون وهما . وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص وكان ظاهر معناه بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنة مجمعا عليها أو يخالف شيئا من ظاهر القرآن فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليـه لا يخالف ذلك حمـل معناه على أحسن وجوهـه وأشـبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ ([57]) . 

ونقل عن عيسى أيضا في الخبرين المتضادين إذا عمل الناس بالأول منهما , والذي يعمل بالآخر شـاذ خامل . ويسوغ الأولون الاجتهاد لهؤلاء وكان سبيله الاجتهاد ؛ لأنهم قد سوغوه وإن عابوه عليهم فالعمل على الأول ولا يعمل بالآخر .  وعلق الجصاص على قول عيسى بقوله : وهذا يدل على أن مراده بقوله في العام والخاص فعمل بعض الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه أن المنفرد واحد شاذ لا يعترض بمثله على خلاف الجماعة في ذلك ([58]). وفي المنتقى شيء من مما قاله الجصاص في الديـة في الشـفتين ([59]) . فقد شذذ قول من قال : إن الغنم يقال لها بدنه ([60]) .

وقال الآمدي :  اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان من الأخبار والأمر وغيره خلافا  لشذوذ   لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر ط ط([61]) .

 

وقال : اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد  كقوله صوموا أبدا خلافا  لشذوذ   من الأصوليين   ودليل جوازه أن  المسألة الثالثة اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد  كقوله صوموا أبدا خلافا  لشذوذ من الأصوليين ([62]) .

 

وقال : اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية  فأثبته بعض  الشذوذ مصيراً منه إلى أن جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد وهو حد الحكم الشرعي وتشترك فيه وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس وما جاز على بعض المتماثلات كان جائزا على الباقي وهو غير صحيح وذلك أنه وإن دخلت جميع الأحكام الشرعية تحت حد الحكم الشرعي وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها غير أنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة لتنوعها وعلى هذا فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له أن يكون ذلك له باعتبار خصوصيته وتعينه لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها كيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه ([63]) .

 

وقال : اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافا لطائفة  شاذة فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند ([64]) .

 

وقال : مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي خلافا لطائفة  شاذة من المتكلمين ([65]) .

 

       وقال أيضاً : اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس ونسخهما معا  خلافا لطائفة  شاذة من المعتزلة ([66]) . 

 

وقال السبكي : ينسخ الحكم دون التلاوة مثل قوله تعالى متاعاً إلى الحول آية وبالعكس مثل ما نقل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وينسخان معا كما روي عن عائشة قالت : كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس يجوز نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس ونسخهما معاً وخالف في ذلك كله بعض  الشاذين   واستدل في الكتاب لكل من الصور بالوقوع ([67]) .

 

 


أسباب الشذوذ في الفتوى وآثاره :

إذا كانت الفتوى الشاذة – في المصطلح الذي قررناه سابقا – هي الحكم المصادم لنص الكتاب أو السنة أو كان لفظهما أو دلالتهما لا يحتمله تأويل ما ذهب إليه المفتى ، أو كان حكمه مصادماً لما علم من الدين بالضرورة ، أو منافياً لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه . فإننا في مسيس الحاجة إلى بيان الأسباب التي تؤدى إلى استنباط حكم  ينسبه المفتى إلى الشرع ، وهو في الوقت ذاته حكم شاذ مردود لا اعتبار له في عموم أدلة الشرع . وإذا كان هذا مستغرباً مستبعداً وقوعه عند فقهائنا الأقدمين ، فلأن الفتوى عندهم ما كانت تؤخذ إلا من فقيه مجتهد أيا كانت درجته أو طبقته في المجتهدين ، أو كان مقلدا فيتقيد بمذهب إمامه ، أو يخرّج على قواعد إمامه أو فروعه ، أو فروع المذهب . ولذا لم يتكلموا عن الفتوى الشاذة بالوصف الذي ذكرناه آنفا . وإنما الشاذ عندهم أخص من ذلك ، قول مبنى في الجملة على دليل ونظر ، لكن ضعف مدركه ، أو كان على خلاف المتفق علي في المذهب ، أو كان مقابلا للراجح أو نحوه مما سبق المقال فيه .

وأما في زماننا هذا فقد والله أصبح  للفتوى الشاذة سوق رائجة ، إذ غدا ميدان الفتوى ساحاً واسعاً مباحاً ، يدخله مع القليل من أهله كثير من غير أهله . فلا ضوابط تمنع من العبث ولا شروط ، اللهم إلا أن يكون المفتي حامل شهادة في الشريعة أو في غيرها يستويان مثلاً . فشهادة الشريعة ليست إثبات على مرتبة الاجتهاد  . والأنكى من هذا أن تقدم فتوى المتفيهقين على من هم من أهل النظر والاجتهاد على الحقيقة ، فتطمس فتوى الحق ، ويعلن على الملأ فتوى الباطل ، وتشهر في وسائل الإعلام منمقة قد أحسن تكلف إخراجها . حتى اعتبر قائلها – افتراء – على الله عالم الأمة وفقيهها المبجل المقدم . وليس المقصود من هؤلاء المفتى الذي يملك القدرة والملكة التي تمكنه من معرفة مظان الأحكام في كتب المذاهب الفقهية فينقل عنها ، وقد يقدر أن يتخير ، مفت مقلد ناقل مقر بحدود علمه ، معترف بفضل السابقين ، فهذا ممدوح على فعله . لكن المقصود ههنا ذاك الذي يدعى علم الأولين والآخرين ، ويرى في نفسه وفتواه أنه رجل كالأئمة الأعلام . فهم رجال وهو رجل ، فيأخذ من حيث أخذوا مباشرة من الكتاب والسنة ، وقد لا يأخذ بالقياس ؛ لأنه لم يدرك شأوه ، بل لن يقدر على فهمه ، وأما الإجماع فقد يقول أيضا هم رجال ونحن رجال ، ولا يبالي  . 

وليس مقصودنا ههنا الاسترسال في شفاء الغليل من هؤلاء ، وإنما التمهيد فحسب للكلام على أسباب هذا الانحراف والشذوذ . فنقول وبالله التوفيق .

إنه يمكن ذكر العديد من الأسباب إلا أنه يمكن أيضا جمع  شتاتها في أمرين إليهما يرجع العديد مما قد نستحضره من أسباب الشذوذ في الفتوى  أولهما : عدم استكمال المفتى عدة الإفتاء ، وثانيهما : مراعاة المفتى لتوجهات الساسة وأحوال السياسة .

أولا : عدم استكمال المفتي عدة الإفتاء :

قد سبق تفصيل في بيان  شروط المفتى وأن الأصوليين اشترطوا فيه شروط المجتهد ؛ لأن من يقوم مقام الاستنباط لابد وأن يعرف ويملك أدوات النظر والاستنباط ، وأن يعرف كيفية استخدام هذه الأدوات لاستخراج الأحكام من أدلتها التفصيلية ، ولذا عرفوا علم الأصول بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد . فمن لم يملك الأدوات أو ملكها ولم يعرف كيفية استخدامها فليس أصوليا ولا فقيها من باب أولى ؛ لأن كل فقيه أصوليا ولا يلزم العكس .

وليس المقصود من ذلك ألاّ يفتى إلا من استكمل شروط المجتهد . فذلك عسره لا يخفي ، ولذلك خفف الفقهاء والأصوليون من هذه الشروط ما سبق بيانه ، لكنهم لم يخلوه من الشروط ، تبعاً لاستنباط حكم مستجد ، أو الاجتهاد في المذهب ، أو معرفة مظان الأحكام ونقل أقوال المذاهب .

ومن الناس اليوم – من ذاك الصنف – من نصب نفسه لعباد الله ، ينتظر سؤالهم كي يجيب ، بل قد يعرض نفسه في المجالس ، غير هياب ولا متردد فلكل سؤال عنده جوابه ، ولو كان من المعضلات التي يتوقف فيها الأئمة الأعلام ، وإن تكلموا فيها قالوا : لا ندرى . وصاحبنا عدو لا أدرى . وهو لا يدرى أن قد أصيبت مقاتله . وهو قبل هذا وبعده لا يحسن قراءة كتاب الله ، ولو سألته عن مجمل اللفظ أو مبينه ، ومطلقه أو مقيده ، وعامه أو خاصه لم تجد له فيها علم . ناهيك أن تسأله عن القياس وأنواعه ، والعلة وقوادحها . وأما كيف يفعل عند التعارض وكيف يرجح فباب لم يبلغ سمعه منه شيء . ثم هو يفتى في الحلال والحرام ، في الأنكحة والطلاق ، والعقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والدماء . فيفتي على غير علم فيضل ويضل ، ولا يضيره أصابت فتواه أو أخطأت ، أو استقامت أو شذت وخرجت على النصوص والقواعد . ولا يظن العاقل في هؤلاء إلا الخبل ، ورقة الدين . إذ ما يدري المسكين أنه بذلك يتقحم نار جهنم تقحما ليتبوأ مقعده من النار جزاء تقوله على الله ورسوله صلى الله عليه وسـلم ما لم يرد في كتاب ولا سنة ، ولم تقم عليه دلالة نص أو إشارته ، ولا احتوته قاعدة معتبرة ، ولا حقق مقصداً يتغياه الشرع .

وإن مما ساهم في تعميق قصور المفتى –  في أحسن أحواله – عن درك الأحكام ما يسمى بالتخصص أو التخصص الدقيق .

لقد ساهم التخصص في العلوم الشرعية مع الفصل فيما بينها من جانب وبين علوم الآلة وبخاصة علوم اللغة إلى تعميق قصور المفتى عن ملكة الاستنباط السليم ، وقصوره عن التمكن من استخدام أدوات الاستنباط وفق الضوابط والشروط المعهودة عند أهل هذا الفن . وأهمها الجمع بين معرفة اللغة والتفسير والحديث ، مع لزوم معرفة شـاملة لعلم أصول الفقـه . وما كان يتصور عند أهل العلم من الأصوليين أو الفقهاء أن يسـتخرج الحكم مـن لا علـم له باللغة ، أو لا صلة له بعلم الحديث أو التفسير ، أو علم الأصول من باب أولى . ولا مشاحة من أن علوم الشريعة وحدة واحدة لا ينفك بعضها عن بعض ، وبخاصة في شأن الاستنباط .

لقد دخلت فريـة التخصص مذ وطئت رجل الاستعمار أرض المسلمين الطاهرة ، وعمل جاهداً مجتهداً على تعميق هذا المفهوم وتأصيله ، وانطلى على المسلمين تدليسه وتلبيسه حتى جعلنا العلوم الشرعية قسمان : القسم الأول : أصول الدين : ويعنى بالعقيدة ، والتفسير ، والحديث . ويكون التخصص الدقيق  في كل منها  منفرداً . ثم علم اللغة وهو تخصص منفرد .

والقسم الآخر : الشريعة : ويعنى بالفقه ، والفقه المقارن ، وأصول الفقه ، والسياسة الشرعية . ويكون التخصص الدقيق أيضاً في كل منها منفرداً .

وهكذا أصبحت علوم الشريعة ثمانية منفصلة من بعد أن كانت واحدة متحدة .

وينبغي القول : إنه لا اعتراض على التخصص من حيث هو ، لكن الاعتراض على التخصص مفصولاً عما يحتاج إليه من بقية العلوم التي لا يعمل التخصص عمله دونها ، باعتبار أن علوم الشـريعة نسـيجاً واحـداً مترابطاً ، وهذا النسيج الشرعي الشامل هو الأساس الذي يبنى عليه التخصص فيما بعد . فلا ينفرد عنه ولا يسبقه . وعلماء الشريعة قديماً ما اشتهر أحد منهم في علم وذاع صيته فيه ، وشد طلبة العلم إليه الرحال إلا بعد أن استوعب العلوم كلها ، وارتحل إلى الآفاق يطلب علوم الشريعة المتنوعة وعلوم اللغة . ثم تميز أو قل تخصص في أحدها ، وساغ له بعد ذلك القول في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تفسيراً أو حديثاً أو استنباطاً .

فالتخصص مفصولاً عما يحتاج إليه من بقية علوم الشريعة هو الذي نعنيه بالذم ، إذ هو التخصص الذي أورث الأمة علماء عجزة يحسنون القول فيما تخصصوا فيه ، ولا يحسنون القول أو النظر في غيره وبخاصة في شأن الاستنباط واستخراج الأحكام . وصنف هؤلاء هم الذين شذت الفتاوى على أيديهم ، وصادمت فتاواهم قواطع الشرع ومبادئه ومقاصده ، والعوام لهم تبع لظاهر أحوالهم وانتسابهم إلى أهل العلم ، بل قد يكونوا هيئة علماء ، أو هو المفتى العام ، ولا تشذ الفتوى حينئذ إلا لخلل في تخيرهم وتعيينهم ومراعاة لمقاصد يبتغيها الحاكم أو أهل القرار .

 

ثانيا : مراعاة المفتي لتوجهات الساسة وأحوال السياسة :

لم يكن الأقدمون يكتفون في المفتي أن يكون مجتهداً قد ملك أدوات الاجتهاد وملكات القدرة على الاستنباط ، بل يضعون حسن سيرته وصفاء سمعته وشيوع تزكيته والشهادة الظاهرة في صلاحه وتقواه في كفة مقابلة لتلك ، بل هي المطلب الأهم في موجبات منصب الإفتاء . ولهذا نصوا في شروطه على فقه النفس وظهور الصلاح ، وردوا فتوى الفاسق ولو كان مجتهداً . وفي هؤلاء قال الإمام عبد الله بن المبارك : الناس إلى قليل من الأدب أحوج منهم إلى كثير من العلم . فالتزكية العامة ملحظ هام في تخيّر المفتى . وكان هذا مما يراعيه الخلفاء والسلاطين عند تعيين المفتين حتى في عهود الظلم أو خراب الذمم ، فما كانوا يجرؤون على تعيين من عرف بين العامة أو العلماء برقة الدين أو التطلع إلى المناصب ، وابتغاء المغانم ولو كان في أعلا درجات الاجتهاد .

 وأما اليوم وقد ابتعد الحكام – جملة – عن شرع الله ،  وضعفت رقابة الناس وتحريهم لأمور دينهم ، وتساهلهم في شأن الحلال والحرام ، والخوض في الحرام وشبهاته تحقيقاً للأهـواء وجمع الأموال . ولم يعد عند الكثير منهم اهتمام بقول المفتين ، ولهم في ذلك مندوحة في ظرف تعطلت فيه أحكام الشرع ، وغدت مرجعية الحاكم والمحكوم قوانين الغرب ونظمه وشيء من أخلاقه .

وقد ساغ للحكام تعيين المفتين حسب مواصفات ومعايير سياسية أكثر منها علمية ، أو أن يراعى فيها صلاح الدين وصلابة الحق ، وفقه النفس. بل يتقصدون صاحب الملمس اللين الهين السموح ، الذكي الذي تكفيه الشارة والإشارة عن التعيين، والتلميح عن التصريح ليتوجه بالفتوى حيث مواضع نظر الرضى والقبول والثناء الحسن من حاكم أو صاحب قرار ، ولو كان فيه غضب الرب تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم .

وهذا بلا شك نزول وانحطاط بمقام الفتوى والإفتاء ، انحطاط ما عهد ولو في أحلك عصور الدولة أو الدويلات الإسلامية ظلمة وضعفاً . وهذا الانحطاط اليوم ينسجم وما تعانيه الدول الإسلامية من ضعف وهوان علي الله والناس ، وهذا نوع من الغي المتوعد به من الله العزيز في قوله جل علاه : ) ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً (  وكيف لا يكون هذا حالها وقد أسلمت الأمة قيادها لحكامها رضاً أو كرهاً للتحاكم إلى مذاهب وملل ونحل أهل الأرض غربية وشرقية . وأنزلوها مقام كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ولا يكاد المفتى يجد له موضعاً إلا في قضايا الزواج والطلاق ورؤية هلال رمضان ، وإذا علا شأنه استشير في التصديق على أحكام الإعدام المبنية على أحكام القوانين الوضعية . ومازال هذا الحال مستمراً في العديد من البلاد الإسلامية .

إلا أن هذه الحالة الطارئة على الأمة وعلى موقع المفتى فيها – وان كانت شواهدها مازالت موجودة في جملة البلاد السلامية – إلا أنه قد بدا نظر التقدير يسرى إليها ضمن صحوة المسلمين العامة التي حملت الحكام علي تغيير ما هم عليه من ضنك وضلال ابتغاء القرب من رضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وهي صحوة ضاغطة اخترقت شيئاً أو حيزاً من السياسة ، وشيئاً من المعاملة ، وشيئاً من الأخلاق ، وأصبح لها في عالم الواقع وجود يحسب له حساب .

ومن هذا الوجود تهيأ للمفتى موقع واهتمام في القضايا الخاصة وكذا في القضايا العامة . وبخاصة الوقائع المستجدة ، الطبية والاجتماعية والمعاملات المالية ، بل تعدى ذلك إلى بعض القضايا السياسية .

وكان أول المنتبهين إلى أهمية وخطورة هذا المنصب هم الحكام الذين مافتئوا يرصدون كل ساكن ومتحرك يشتم منه تهديد أو خروج عن السيطرة مما قد يهدد المنصب بطريق مباشر أو غير مباشر ، أو يستقطب النظر ، أو يكشف شيئا من العيوب ، أو الظلم ، وما إلى ذلك . فأنشأوا دوراً أو هيئات للفتوى ، أو مجامع فقهية رسمية تعرض عليها القضايا المستجدة فقهية أو اجتماعية وغيرها . حاشا القضايا السياسية البحتة . متناسين أن الإسلام له نظر وحكم في سائر القضايا سياسية أو غيرها .

وبغض النظر عن النيات والغايات ، وقد يكون كثير منهم صادقاً في جهده وبذله . فقد خدمت هذه الدور والهـيئات والمجامع المسلمين وحلت الكثير من المعضلات الفقهية والاجتماعية والفكرية . وهذا مما لا ينكره إلا مكابر ، إلا أن قضايا الأمة السياسية لم تنل حظها وافياً ، ولم تشغل حيزاً يذكر في جدول أعمال تلك الدور والهيئات والمجامع . ورضي أهل الفقه الشرعي أن تترك الفتاوى السياسية يفتي فيها الحكام أو مجالسهم الشورية أو النيابية ونحوها . وهذا الخلل المنهجي هو الذي حدا بطائفة من الشباب بل جمهرة منهم ابتغوا الحكم الشرعي من أهله . فتعارض الحكمان في كثير من القضايا ، وكان منها مما ينبني عليه أثر وعمل فأورث اضطراباً فكرياً وعملياً، ومع تكرر الوقائع وتعارض الأحكام تكونت في المجتمع طوائف من الشباب المتدين لا تستسلم إلا لمرجعيتها . ولما كان العديد من هذه المرجعيات يعاني من قصور في متطلبات الفتوى ومستلزماتها ، أو غلبت عليه الحزبية أو الفئوية أو الطائفية ، فاضطربت على أثر ذلك الفتاوى ، واختلط فيها الصواب بالخطأ أو الشذوذ ، حتى بلغ الأمر غايته فسالت بسبب هذه الفتاوى دماء بريئة ، وأنفس ضالة أو مضللة . يتحمل كبرها مفتوهم مباشرة ، ويتحملها مباشرة أيضا الواقع المصادم للكتاب والسنة ، بأجهزة إعلام لا تعنى إلا بتمجيد الأهواء والباطل وتكريس الظلم ، وتزيين انحراف الحاكم ولو باسم الديمقراطية والحرية والمساواة . في موازين لا اعتبار فيها للدين ومبادئه وقواطعه وذلك ملموس لا ينكر في أغلب هاتيك الوسائل والأجهزة .

وقد ترتب بسبب ذلك مشاكل كثيرة واضطراب في حياة المسلمين في واقعهم الاجتماعي والأمني والسياسي والفكري . وظهرت على أثره مصطلحات عديدة تنوعت ألفاظها ، واختلفت بيئاتها وأزمنة رواجها ، لكنها كلها تدور حول الإسلام ، بل تعنيه بطريق ظاهر أو خفي ، أو جلي صريح فقالوا : رجعية وتخلف ، أو تعصب وتزمت ، أو تطرف وإرهاب وغير ذلك من اصطلاحات راجت . ومن ورائها جميعاً اليهود والنصارى – رضي من رضي وسخط من سخط – ، فهذا تاريخهم ناصع مذ خيبر حتى الأندلس ، وقد اشتد مكرهم وحربهم الصليبية واليهودية في فلسطين ، واجتمعوا وأجمعوا بعد إسقاطهم للخلافة على الحيلولة بين المسلمين وشريعتهم وبخاصة في شأن تطبيقها ولو استدعى الأمر تسيير الجيوش ، بل ولو استلزم الإبادات الجماعية بأسلحة الدمار الشامل . وكل ذلك قد كان وما يزال ولا ينكره إلا مكابر أعمى .

وأما صلة ذلك بالفتوى فإنها وثيقة جداً ، إذ ما انفكت الفتاوى على مدار التاريخ وبخاصة هذا التاريخ القريب الذي نعنيه ، ولنقل في الفترة من الحروب الصليبية إلى اليوم الحاضر. فإن الفتاوى على صنفين، أو أن أهلها فريقان. فريق قد جعل الكتاب والسنة ومبادئ الشرع مقدمة على كل اعتبار ، فصدرت عنه فتاوى تحارب الظلم والاسـتعمار وتعطيل الشرع ، وتبين الحقائق بموازينه الناصعة الظاهرة . وإن جر عليها ذلك من المصاعب والابتلاء الشيء الكثير. والفريق الآخر قد جعل نصب عينيه إرضاء السلاطين أو الساسة ، ومراعاة أحوال السياسة على وفق الاتجاه أو التوجيه ، لا على وفق مقتضيات الشرع ومبادئه ومقاصده .

فما نحن فيه اليوم من أحوال طيبة أو مشينة في شتى الميادين فإن للفتوى فيه محل وتأثير من الفريقين وفي اتجاهين ، ومازال فيه فريق الضلال والشذوذ متصدراً ومؤثراً إلى حد كبير . وأمام الفريق الأول فريق أهل الحق بذل الجهود المضنية بما يتناسب وشرف المقصد حتى تكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الدين كله لله ، والسيادة فيه للشرع .

وإزاء هذه الفجوة التي أورثت الأمة إضراباً في الفتوى بين فتاوى في مجملها فردية تقصر عن تلبية رغبات الأمة ، وقد يعتريها الشذوذ ، وبين فتاوى هيئات أو مجامع رسمية أو شبه رسمية سدت حاجات وضرورات للأمة ، وحلت العديد من الإشكالات الفردية والاجتماعية والفكرية . واكتسبت احترام المهتمين بالقضايا الشرعية وكذا المؤسسات البحثية في الجامعات ودور البحث . وعلى رأس هذه المجامع مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ، وأمثاله العديد من المجامع في البلاد العربية والإسلامية .

إلا أن هذه المجامع لم تشف غليل الأمة في مصابها السياسي بخاصة الذي قصرت هذه المجامع عن احتوائه والعناية به ، لما فيه من حساسية وتضارب مصالح الدول . فعني بما سوى القضايا السياسية ، ولم تمثل هذه القضايا إلا حيزاً محدوداً يتناسب فعلاً وطبيعة هذه المجامع . ومع أهمية ما اعتنت به هذه المجامع إلا أن القضايا السياسة تحتاج إلى مرجعية جماعية أيضاً . وتقديراً لأهمية هذه الفجوة ، وشعوراً بخطورتها فقد نادى كثير من الفقهاء بضـرورة سـد هذه الفجوة . وظل هذا النداء يعلو ويخفت حتى تنادى الفقهـاء إلى تأسيس ” الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ” .     


 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 

بعض تطبيقات الفتوى الشاذة

في العصر الحاضر


المبحث الثاني

بعض تطبيقات الفتوى الشاذة في العصر الحاضر

 

لسنا بصدد استقصاء الفتاوى الشاذة المصادمة لقواطع النصوص من المفتين في العصر الحديث  بصفتهم الفردية فإن هذه الفتاوى مع خطورتها إلا أن  خطرها محدود وبخاصة أن مثل هذه الفتاوى تجد من يرد عليها من العلماء الأكفاء أو من المجامع الفقهية أو من خلال الندوات العلمية ، وحسب أهمية من أصدرها من المفتين ومدى خطورة موضوعها فهذا مما يطول . ولكن يعنينا تلك الفتاوى التي تصدرها المجامع الفقهية أو المفتون بصفتهم المفتون العامـون للدولة أو بصفتهم رؤساء مجامع .

ويجدر القول إن آفة الفتوى الشاذة قد تكون من جهة المستفتي فيقع المفتي بالتغرير. وقد تكون آفتها من جهة المفتي أو الجهة التي تصدر الفتوى باسمها مجمعاً أو غيره  .

وسأختار فتويان الأولى : فتوى فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر سابقا في صناديق التوفير ، وهي مثال لآفة الفتوى من جهة المستفتي .

والثانية : الفتوى المنسوبة لمجمع البحوث الإسلامية برئاسة فضيلة شيخ الأزهر الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي في إباحة الفوائد البنكية ، وهذه التي آفتها من المفتي ، وسنولي هذه الثانية مزيد اهتمام لخطورتها .

 


الأولى : فتوى فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في حكم صناديق التوفير :

فقد سئل فضيلته في أن بعض الناس يودعون أموالهم في صناديق التوفير التي تقوم به مصلحة البريد في مصر فهل يحل للمسلم أن يأخذ العوائد السنوية التي تدفعها المصلحة كربح عن الإيداعات .

فأجاب فضيلته قائلاً : إن الذي أراه تطبيقاً للأحكام الشرعية والقواعد الفقهية السليمة أنه حلال ولا حرمة فيه . وذلك :

لن هذا العقد مع مصلحة البريد لم يكن قرضاً ، إنما هو إمداد للمصلحة بزيادة رأس مالها ، ليتسع استثمارها ومعاملاتها ، وتكثر أرباحها من خلال استغلال الأموال في مواد تجارية يندر فيها – إن لم ينعدم – الكساد أو الخسران .

هذه المعاملة بكيفيتها وظروفها وبضمان أرباحها معاملة جديدة لم تكن معروفة لفقهائنا الأولين وقت أن بحثوا أنواع الشركات واشترطوا فيها ما اشترطوا .

ومن هنا يتبين أن الربح المذكور ليس فائدة لدين حتى يكون ربا ولا منفعة جرها قرض حتى تكون حراماً ([68]) .

ولا شك أن الشيخ شلتوت بنى حكمه على أن مصلحة البريد تستثمر الأموال المتحصلة لديها ولو علم أنها ليست كذلك لما أفتى بالحل ، يقول الشيخ يوسف القرضاوي : ذكر الثقات أن مصلحة البريد التي تدير صناديق التوفير لا تملك أجهزة للتجارة والاستثمار ، وإنما تعطي الحصيلة للبنوك لتأخذ منها فائدة توزعها – أو بعضها – على المشتركين فانتهى الأمر إلى إقراض البنك ولكن بواسطة البريد ([69]) .

ويجلي الشيخ علي السالوس الموضوع فيقول : ‘ن للشيخ فتويان متناقضتان : إحداهما تحرم والأخرى تحل ، وقد سألت الشيخ سيد سابق عن سبب هذا التناقض فقال : إن فتوى التحليل صدرت بعد أن أفهموا فضيلة الإمام أن هيئة توفير البريد تستثمر هذه الأموال ، وتأخذ جزءاً من الأرباح ، وتعطي المودعين الجزء الآخر .

ثم قال : وبعد هذا سألت الدكتور عيسى عبده – رحمه الله – فذكر أن هيئة البريد تودع الأموال في البنوك ، وتأخذ فوائدها ، ولا تقوم بأي استثمار .

ثم أضاف الشيخ سيد سابق : وما الفرق بين أخذ الفوائد الربوية من البنوك مباشرة ، وبين أخذ جزء منها عن طريق هيئة البريد ؟

ثم حدثني فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله – بأن فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة – رحمه الله – ذكر في ندوة لواء الإسلام أنه التقى بالشيخ شلتوت ، وناقشه في فتوى التحليل ، واقتنع بتحريم فوائد دفتر البريد .

ورأى حذفها من كتابه ، فعارضه قائلاً : لا بل تبقى الفتوى ، ويثبت تراجعك عنها ، فمن قرأ الفتوى قرأ التراجع .

واتفق الشيخان على هذا . قال الشيخ القرضاوي : ويبدو أن الأجل لم يمهله ، فلم نر هذا الرجوع مثبتاً في كتاب ، ولكن الشيخ أبا زهرة ثقة ثقة .

قال الشيخ علي السالوس : وذكر الشيخ أبو زهرة هذا الموضوع أكثر من مرة في لجنة الفقه بمجمع البحوث الإسلامية التي كان يرأسها ، وكان الأمين آنذاك الشيخ صلاح أبو إسماعيل – رحمه الله – .

وحدثنا الشيخ القرضاوي بأنه عندما كان يجمع أصول كتاب التفسير للشيخ شلتوت ويعده للطبع ، وقف عند تحريم فوائد دفتر توفير البريد ، وذكر التعارض مع ما جاء في كتاب الفتـاوى ، فقال له الشـيخ شـلتوت : أبق فتوى التحريم .. أبقها ، ( أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار )  ([70]) .

الثانية : الفتوى المنسوبة لمجمع البحوث الإسلامية برئاسة فضيلة شيخ الأزهر الشيخ الدكتور محمـد سـيد طنطاوي في إباحة الفوائد البنكية ، وهذه التي آفتها من المفتي، وسنولي هذه الثانية مزيد اهتمام لخطورتها .

نقول وبالله التوفيق : تأتي هذه الفتوى في الوقت الذي بدأ فيه منهج الاقتصاد الإسلامي المبني على المشاركة بشق طريقه العملي في أرجاء البلاد الإسلامية ، ويثبت نجاحه بتكوين قاعـدة ضخمة من المتعاملين شعوبا وحكومات ومؤسسات مالية ، ويدخل السوق العالمية باعتباره نظاما بديلاً عن الربا ، ويقدم أدوات مالية استثمارية لفتت انتباه المؤسسات المالية الغربية حتى وجدت أن من مصلحتها التعامل مع هذه الأدوات المالية التي تحقق الربح المناسب مع درجة كبيرة من الأمان ، بعيدا عن المخاطر الفادحة التي يعاني منها الاقتصاد الربوي ، وهذا ما دعا هذه البنوك العريقة أن تفتح لها نوافذ تختص بتقديم الاقتصاد الإسلامي ، بل أنشأت بعضها بنوكا مستقلة في ذمتها المالية تتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية ، وهذه شهادة لا تقبل الشك في صلاحية منهج المال الإسلامي في ريادة الأسواق المالية بأسلوب المشاركات التنموية الحقيقية ، بعيدا عن الأسلوب الربوي في مضاربة النقد بالنقد لتوليد الفوائد الربوية .

وتأتي هذه الفتوى في الوقت الذي تواترت الأبحاث العلمية المعمقة في البلاد الأجنبية في مراكز بحثها ، وفي جامعاتها ، التي أكدت كلها علمية ودقة المنهج الاقتصادي الإسلامي ، وقدراته على الريادة والاستمرار ، بل نادى البعض منهم باعتباره المخلص الفعلي لمشاكل السوق العالمية التي ما فتأت تتوالى عليها الأزمات المالية والهزات الاقتصادية المدمرة بسبب المضاربات الربوية العالمية التي كبلت الدول الفقيرة بالديون ، وأوقفت عجلة التنمية فيها ، فزادت من غنى الغني ومن فقر الفقير .

تأتي هذه الفتوى طعنة من أهل الإسلام وجلدته في وقت انتصار غير المسلمين لمنهج الإسلام الاقتصادي في محاربته للربا وشبهاته ، وما زاد من الألم وعمق الأسى أن تصدر هذه الفتوى ، أو بمعنى أدق أن تنسب هذه الفتوى إلى مجمع البحوث الإسلامية وهو من أقدم المؤسسات البحثية العلمية المعاصرة في عالمنا الإسلامي ، ويشرف عليه الأزهر الشريف الذي يتحمل عبر تاريخنا مشعل علوم الشريعة المعمقة فقهاً وأصولاً وحديثاً وتفسيراً وعقيدة ودعوة ، وهو الذي يمثل أكبر جامعة إسلامية .

ولو أن الفتوى نسبت إلى فضيلة شيخ الأزهر لهان الخطب ولا يهون فهذا رأي فضيلته من قبل بلفظ أدلة الفتوى وروحها ، ولكن أن يحمل عبء هذه الفتوى مجمع البحوث الإسلامية فهذا من كبائر وعظائم الأمور التي نخشى أن تشوه صورة الأزهر الرائد المنافح عن الشريعة وأحكامها وأن تهتز صورته في أذهان العامة ، أما الخاصة من الفقهاء أهل العلم من علماء الأزهر وعلماء الأمة الإسلامية فيعلمون أن مجمع البحوث الإسلامية أكبر من أن تصدر عنه هذه الفتوى حقيقة ، ويعلمون خبايا الزوايا التي صدرت من خلالها هذه الفتوى  ويعلمون أن من حضر الجلسة لا يمثلون المجمع كله وما من مجمع يكتفي بعدد أربعة عشر عضواً أو يزيد قليلاً ، والفقهاء المختصون منهم ثلاثة فقط مع احترامنا البالغ لبقية العلماء ممن نعتز بعلمهم ومكانتهم ، وبأيدي الفقهاء قرار مجمع البحوث الإسلامية في الموضوع ذاته وتحريمه الصورة الربوية ذاتها ، وقد سبق في ذلك المجامع الفقهية في العالم الإسلامي كلها ، فقد أصدر قـراره في مؤتمره الثاني المنعقد في شهر المحرم 1385 هـ الذي يوافقه مايو 1965 م ، وبحضور زهاء مائة وخمسين فقيهاً يمثلون خمساً وثلاثين دولة إسلامية ، وصدر قرارهم التالي بالإجماع برئاسة الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر ، وعضوية كبار الفقهاء أمثال الشـيخ محمد أبي زهرة وعلي الخفيف وفرج السنهوري وعبد الله المشد ومحمد علي السايس ، وهذا نص قراره :

” الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم ، لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي ، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا محرم كذلك ، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة ، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير الضرورة ” .

لقد حسمت هذه الفتوى الموضوع بالإجماع وبحضور هذا العدد الوفير من أهل الفقه والاختصاص ، وبأسلوب صياغة فقهية محكمة جامعة مانعة ، خالية من الحشو والعامية أو ركاكة التراكيب اللفظية ، وهي الصياغات المعهودة في الفتوى التي يترتب عليها عمل ، فأنى هذه الفتوى من تلك بحضور خمسة وعشرين ، وبالأغلبية ، فلا شك أن هذا القرار لا يصلح البتة ولا يقوى على نقض الفتوى الأصلية ، وإذا كان فقهاؤنا قد قرروا أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ، هذا إذا سـلم الاجتهاد من القوادح والاعتراضات ، وانبنى على أدلة وأساليب وطرائق الاجتهاد المعروفة عند أهل الاختصاص .

وقبل الدخول في مناقشة مضامين الفتوى يجب أن نحدد محل النزاع والخلاف أو مناط الحكم في الفتوى ، فإن الفتوى قد خلطت بين محل الوفاق والخلاف ولم تحرر مناط الحكم ، فليس الخلاف في تحديد الربح مقدما منفصلاً عن غيره ، بل الخلاف في ضمان واشتراط الربح ، وفي ضمان رأس المال ، وفي صفة يد البنك على المال هل هي صفة أمان أو ضمان ، وإذا قيل : بأن البنك وكيل ما هي الآثار المبنية على هذه العلاقة ، هذا ما كان الواجب جعله محور وأساس الفتوى لتكون الفتوى سليمة من الناحية المنهجية العلمية الفقهية . بعد هذا نبدأ بمناقشة هادئة علمية فقهية للفتوى .

أولا : عنوان الفتوى :

” استثمار الأموال في البنوك التي تحدد الربح مقدماً ” :

العنوان يوحي بأن محل الخلاف في تحديد الربح مقدماً وكأن الاستثمار ذاته حلال مفروغ منه ، وعناصر السؤال المتعددة أغفلها العنوان ، وصحة العنوان أن يكون ” حكم استثمار الأموال في البنوك التقليدية ” ليشمل عناصر السؤال ، وما إذا كان الربح محدداً مقدماً أو غير محدد . ويشمل البنك الذي يحدد الربح مقدما والذي لا يحدد لئلا يكون للعنوان مفهوم مخالف .

ثانيا : السؤال :

” إن عملاء بنك الشركة المصرفية العربية الدولية يقدمون أموالهم ومدخراتهم للبنك الذي يستخدمها ويستثمرها في معاملاته المشروعة مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع العميل عليها ، نرجو الإفادة عن الحكم الشرعي لهذه المعاملة ” . رئيس مجلس الإدارة توقيع الدكتور حسن عباس زكي وقد أرفق سيادته مع الخطاب نموذجا لمستند التعامل الذي يتم بين المستثمر والبنك ، ونص هذا النموذج كالآتي :

البنك

الشركة المصرفية العربية الدولية

التاريخ :     /      / 2000م

السيد /                                          حساب رقم :                       

تحية طيبة وبعد :

       نحيط سـيادتكم علما بأنه قد تم تجديد رصيدكم طرفنا وقدره 100000جم ( فقط مائة ألف جنيـه مصري لا غير ) عن الفترة من 1 / 1 / 2002 حتى 31 / 12 / 2002م بعائد 10% سنويا والعائد قدر 10000 جنيهاً مصرياً

إجمالي المبلغ + العائد في تاريخ الاستحقاق 110000 جنيهاً مصرياً

المبلغ الجديد مضافا إليه العائد حتى 31 / 12 / 2002 م 110000 جنيهاً مصرياً


المناقشة : وتتناول السؤال ذاته والجدول المرفق مع السؤال :

أ – كان من الواجب أن يحرر المجمع محل السؤال ، ولا يمكن إصدار حكم مع هذا الإجمال ، فينبغي أن يستفصل ويستفسر المجمع عن بعض الأمور التي لا يكتمل الجواب والفتوى إلا بها وهي :

ما هي صفة البنك القانونية حين يستلم أموال العملاء ؟ ، هل هو مقترض أو مضارب أو وكيل ؟ . ومحل هـذا السؤال ودواعيه أن معرفته هي مناط الحكم ومبناه ، إذ من المعلوم أن تسلم البنك الأموال إنما هو على صفة الاقتراض .

الاستفسار عن المقصود بعبارة الاسـتخدام والاستثمار وفي معاملاته المشروعة . ما هي هذه الاستثمارات التي وصفها البنك بأنها مشروعة ، ولفظ مشروعة هذا حكم شرعي يصدره السائل ، وهو مصادرة على الحكم والفتوى ، فالبنك لا يملك وصف أفعاله من الناحية الشرعية ، وإلا فلا محل للسؤال ابتداء .

وما الفرق بين الاستخدام والاستثمار ، هل المراد أن البنك يستخدم هذه الأموال في شؤونه الإدارية ، ومقار عمله ، والاستثمار شيء آخر .

ب – الجدول المرافق للسؤال لا يطابق السؤال ، ولا يكشف عن مضمونه فمضمون السؤال : استثمار الأموال أي أن هناك مجالات استثمار محددة ، ومعاملات وصفها بالمشروعية ، والجدول يتضمن شيئاً آخر . وكان من المفروض أن يثير تساؤلات بديهية فإن الجدول صيغة بنكية ربوية صريحة ، تحمل الجواب على أن البنك لا صلة له بالاستثمار ، إلا الاستثمار النقدي الربوي حيث يلد النقد النقد ، وهذه واضحة في الجدول لا تحتاج إلى عميق نظر . فالعميل أودع مبلغ 100000 مائـة ألف جنيهاً مصرياً لفترة من 1 / 1 / 2002م حتى أصبح في 31 / 12 / 2002م أي بعائد 10% سنوياً . وتم حسابه بإجمالي المبلغ + العائد في نهاية السنة ليصبح 110000 جنيهاً مصرياً . فالجدول ربـوي صرف غاية ما فيه تسمية الفوائد بالعوائد ، والعبرة للمعاني لا للألفاظ كما هو متفق عليه عند أهل العلم .

 

ثالثا : الفتوى ومناقشتها فقرة فقرة :

أ – الفقرة الأولى :

” الذين يتعاملون مع بنك الشركة المصرفية العربية الدولية – أو مع غيره من البنوك – ويقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك ليكون وكيلا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة ، مقابل ربح يصرف لهم ، ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين عليها ” .

لقد تضمنت هذه الفقرة ثلاثة أمور :

أولها : أنها ضمت للجـواب بالإضافة إلى البنك السـائل ، بقية البنوك ، وثانيها : وصف البنك بأنه وكيل عن عملائه ، وثالثها : وصف استثماراتها أنها في معاملات مشروعة .

ونتناول هذه الثلاثة وخاصة الثاني والثالث منها محل الإشكال ومحزه :

أما الأمر الأول : وهو تعميم الحكم ليشمل مع البنك السائل غيره من البنوك الربوية . وهذا يفيد أنه لا خصوصية للبنك السائل وإن كان مسماه قد يوحي باختلافه عن البنوك وأنه قد يستثمر في غير المعهود في استثمارات البنوك . فالتعميم قطع بأنه بنك مثل غيره من البنوك لذا كان الحكم واحداً .

أما الأمر الثاني : إضفاء صفة الوكيل على البنك وهذا هو مناط الفتوى فإذا استقام استقامت الفتوى في هذه الجزئية وهي أساسية جداً ، وهي التي تكشف عن التكييف الشرعي لصفة البنك .

صفة الوكالة هذه لا تصح البتة ؛ لأن الفقهاء مجمعون على أن الوكيل يعمل لمصلحة وبتوجيه الموكل ، وللموكل أن يعفيه ويقيله من الوكالة ؛ لأن الوكالة عقد جائز غير لازم ، ويد الوكيل على المال يد أمانة لا يضمن الخسارة وتلف المال إلا إذا ثبت تعديه أو إهماله وتقصيره تقصيراً لا يحدث من أمثاله .

ثم إن الوكيل إما أن يعمل في مال موكله متبرعاً أو بأجر ، وإن كان بأجر فيلزم تحديد أجرته مبلغاً مقطوعاً ، ويجيـز بعض الفقهاء أن تكون أجرته نسبة من رأس المال ، كما أجمعوا على أن ربح المال في يد الوكيل كله للموكل ، وخسارته التي لا يد للوكيل فيها على الموكل .

وليس شيء من ذلك يصح في هذا العقد ، فإن البنك يستثمر أموال العملاء بطريقته ، ثم يعطيهم ربحاً – حسب عبارة الفتوى – وهذا يعني أن ما زاد عن الربح المحدد كله للبنك – كما صرحت الفتوى في فقرة لاحقة – وهذا المقدار من الربح غير محدد ، ولا يطلع عليه العملاء أرباب المال الموكلون . ثم إن البنك وهو الوكيل ضامن للخسارة بل ضامن صراحة لرأس مال الموكل وربحه المحدد مقدما . وهذا كله قلب لمفهـوم عقد الوكالة رأسا على عقب ، فلا يمكن البتة أن يكون هذا عقد وكالة ، ولم يقل ، ولا يقول أحد عنده مسحة من فقه أن هذا عقد وكالة .

كما لا يصح أن يكون العقد عقد مضاربة ، بحيث يكون البنك مضارباً بأموال العملاء ، وهم أرباب المال ؛ لأن شرط المضاربة المتفق عليه عند جميع الفقهاء : أن يكون الربح معلوم القدر ، فيحدد نصيب المضارب من الربح ، والباقي من الربح لرب المال . وأن يكون الربح نسبة شائعة كالنصف والثلث والربع ، فإذا شرط مبلغ معين مقطوع من الربح أو نسبة محددة من رأس المال بطلت المضاربة لأنها تؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح ؛ لاحتمال أن لا يربح المضارب غير المبلغ الذي تم تحديده في عقد المضاربة . ثم إن هذا كله إذا وجد ربح من عمل المضارب ، فإن لم يحصل الربح ، فيضيع على المضارب جهده ، ويضيع على رب المال الربح ، وإذا خسر رأس المال فخسارته على رب المال ، ولا يتحمل المضارب منه شيئا ما لم يكن المضارب مفرطاً أو متعدياً .

وهذا كله غير متحقق في العلاقة محل النظر ؛ فإن البنك هنا يضمن رأس المال كما يضمن الربح ، ويتحمل المخاطر والخسارة . فتكييف العلاقة على أنها مضاربة بعيد كل البعد .

وإذا بطلت المضاربة يبطل تكييف العلاقة بالشركة ، إذ لا يصح أن يكون البنك شريكا مع العملاء ، فإن الشركة تبطل بإجماع الفقهاء متى ضمن أحد الشركاء لغيره من الشركاء الربح لما يؤدي إليه من قطع الشركة في الربح – كما سبق – .

فلم يبق إلا أن العلاقة بين البنك وعملائه أرباب المال إلا علاقة إقراض واقتراض فالبنك مقترض أموالهم وهم مقرضون والمسمى ربحاً أو عائداً هو نصيب أرباب المال ، وهو الفائدة الربوية المضمونة والمنسوبة لرأس المال والمدة ، وهذا عين الربا ، ربا الجاهلية الذي يربط فيه المقرض الفائدة برأس المال والمدة فكلما زاد رأس المال أو المدة زادت الفائدة .

وإذا كنا نتلمس سـنداً أو دليلاً لتكييف العلاقة بالوكالة أو المضاربة أو المشاركة ، فإنا لا نحتاج إلى دليل على كونها علاقة قرض واقتراض ، فهذا ظاهر من السؤال ومن الجدول المرافق له فكان من الواجب أن يقول المجمع : ” إن هذه المعاملة محرمة ؛ لأنها تضمنت الربا الصريح بديل الجدول المرافق للسؤال ” .

أما الأمر الثالث : وصف استثمارات البنك بأنها في معاملاته المشروعة :

إن الفتوى لا تستقيم فقها حتى تبين ما هي هـذه الاستثمارات البنكية المشروعة ، وقد أصدر البنك هذا الحكم الشرعي ، فوصف عمله بذاته بأنه مشروع ، والفتوى قبلت هذا الوصف وأقرته ، ومن واجب المفتي أن يسأل عن طبيعة هذه الاستثمارات حتى ولو ظن أنها فعلاً مشروعة ، فهي مشروعة في نظر المستفتي ، فلابد من الاستفصال عن طبيعتها ونوعها ليكون الحكم الشرعي على وفقها . فهي من مناطات الحكم التي لا تصح الفتوى دون تحريره . ولا يعقل أن أحداً من العلماء الأفاضل ، ومن بينهم ثلاثة من الفقهاء المتخصصين في الفقه والأصول لم يسأل عن طبيعة هذا الاستثمار . ولعلها لم تبين ؛ لأنه لا يمكن إلا أن تكون استثمارات غير مشروعة ، وهي التي لا يملك البنك غيرها بنصوص القوانين ، سواء القانون المصري أو بقية قوانين البلاد العربية وغيرها التي تقر أعمال البنوك الربوية . وكلها تعتبر أموال العملاء قرضا على البنك ويجب أن يعطي عليه فائدة وهاك بعض نصوص القانون المصري فالمادة 726 من القانون المدني تنص على الآتي :

” إذا كانت الوديعـة مبلغا من النقود ، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله ، اعتبر العقد قرضا ” .

وتنص المادة 301 من القانون رقم 17 لسنة 1999م على أن وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة ، والتصرف فيها بمـا يتفق ونشاطه مع التزامه برد مثلها للمودع طبقاً لشروط العقد ” .

وتحظر المادة 39 على ” البنك التجاري التعامل في المنقول والعقار بالشراء والبيع أو المقايضة ” .

كما تنص المادة 45 على أنه : ” يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية والبنوك الاستثمارية الأعمال المحظورة على البنوك التجارية ” .

وإزاء هذه النصوص الواضحة فإن مقولة أن البنك يستثمر أموال العملاء في استثمارات مشروعة غير صحيح ، ولو صح لم يسمح بها القانون ولمنع هذه المعاملة وأوقع العقوبة على البنك المخالف لاختصاصه المحدد ، وهو الإقراض والاقتراض فحسب .


ب – الفقرة الثانية :

” هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها ؛ لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو السـنة النبوية يمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما ، ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة .

قال الله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ( ([71]) .  

أي : يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، لا يحل لكم ، ولا يليق بكم أن يأكل بعضكم مال غيره بالطرق الباطلة التي حرمها الله تعالى كالسرقة ، أو الغصب ، أو الربا ، أو غير ذلك مما حرمه الله تعالى ، لكن يباح لكم أن تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات المشروعة الناشئة عن التراضي الذي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ، سواء أكان هذا التراضي فيما بينكم عن طريق التلفظ أم الكتابة أم الإشارة أم غير ذلك مما يدل على الموافقة والقبول بين الطرفين .

ومما لا شك فيه أن تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدما من الأمور المقبولة شرعاً وعقلاً حتى يعرف كل طرف حقه .

هذه الفقرة تضمنت عدة أمور الأول : أن هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها ؛ لأنه لم يرد نص في الكتاب أو السنة النبوية يمنع هـذه المعاملة . والثاني : أن رضا الطرفين يكفي في وصف هذه المعاملة بأنها حلال والاستشهاد على صحة ذلك بالآية الكريمة .

الأمر الأول : أن هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها ؛ لأنه لم يرد نص من الكتاب أو السنة النبوية يمنع هذه المعاملة .

هذا مبني على صحة المعاملة ، وأن تكييفها وكالة صحيحة ، وأن الاستثمار قد تم في مجالات مشروعة ، وهذا كله لم يصح بالبيان السابق .

والقول الصحيح المدعوم بالأدلة السابقة يشير إلى أنها معاملة محرمة لا تختلف في شيء عن عمل البنوك الربوية في اعتبار المال قرضا وإعطاء الفائدة المضمونة عليه . ولا يخفي أن أشد آية نزلت في كتاب الله هي في حرمة الربا وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة على حرمة الربا وهو عينه الصورة المذكورة في السؤال والجدول المرافق له .

قال الله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ( ([72]) ، وقال تعالى : ) وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( ([73]) ، ومن السنة أحاديث كثيرة منها : ما رواه : جابر بن عبد الله الأنصاري t قال : ” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ” وقال : ” هم سواء ” ([74]). والربا أعظم ذنباً من الزنا لقوله صلى الله عليه وسلم : ” درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية ” ([75]) .

وأما الإجماع فقد قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيـادة على ذلك ربا ، وقال القرطبي : ” أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم صلى الله عليه وسـلم أن اشـتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف – كما قال ابن مسـعود – أو حبه واحدة ” ([76]) . ” وهذه المعاملة بذاتها شكلا وموضوعا ، وهو القرض الذي جر نفعا نظير الأجل هو ربا النسيئة المعروف في الجاهلية الذي نزلت الآيات بتحريمه . قال الإمام الرازي : ” ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً عليه في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعـون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، ويكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به ” ([77]) . وقال ابن قدامة : ” كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف ” .

الأمر الثاني : وهو أن تحديد الربح أو العائد مقدماً حلال ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة .

فإن من المقطوع به فقها أن التراضي على المحرم لا يحل الحرام ، ولو كان هـذا القـول صحيحاً لانخرمت الأحكام ، ولأصبح الزنا والفجور حلالاً إذا تم بالتراضي .  وهل كان ربا الجاهلية إلا بالتراضي كما قال الإمام الجصاص : ” الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرضه على ما يتراضون به ” ([78]) . فتحديد الربح أو العائد – أي الفائدة – مقدما مع اشتراط ضمانها هـو الربا المقطوع بحرمته ، فكيف يحله التراضي ، فالرضا محله العقود المباحة والجائزة الخالية من المحرمات .

وأما الاستشهاد بالآية على أن التراضي يحل المعاملة وهي قوله تعالى :      ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أمـوالكم بينكم بالباطل إلا أن تكـون تجارة عن تراض منكم ( ([79]). هذه الآية التي يستدل بها على الجواز ، هي دليل منع إذ الآية هنا لها دلالة نص وظاهر ، فهي نص في حرمة أكل أموال المسلمين بينهم بالباطل ، وظاهر في حرمة الربا ؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل قطعا ، بل هو من أظهر أنواع أكل أموال الناس بالباطل .

والتجارة هنا هي التجارة الصحيحة التي لا باطل ولا ظلم فيها ، ولا ريب أن التراضي على التجارة الحرام باطل ، ولا يحل التراضي ما حرمه الشرع ، ومعنى الآية : ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( يعني : بالحرام الذي لا يحـل في الشـرع ، وقولـه : ) إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ( هـذا استثناء منقطع و” إلا ” هنا بمعنى ” لكن ” والمعنى : لكن إن كانت تجارة أي أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس فكلوها حلالا ، فأكل الأموال بالتجارة جائز بالإجماع ، ولأن التجارة ليست من جنس أكل المال بالباطل . فالتراضي ليس مطلقا كما أوردته الفتوى فنصت على : ” أن يباح لكم أن تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات الناشئة عن التراض ” فالآية قاصرة هنا على التجارة التي فيها أكل الأموال لكـن بالتراضي والربـح الحلال ، وليس كل معاملة دخلها الرضا فهي حلال ، والتراضي في المعاملة محل الفتوى يحل حراما فهي خارجة عن موضوع الآية .

ج – الفقرة الثالثة :

” ومن المعروف أن البنوك عندما تحدد للمتعاملين معها هذه الأرباح أو العوائد مقدما ، إنما تحددها بعد دراسة دقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية والأوضاع الاقتصادية في المجتمع ، ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها .

ومن المعروف كذلك أن هذا التحديد قابل للزيادة والنقص ، بدليل أن شهادات الاستثمار بدأت بتحديد العائد 4% ثم ارتفع هذا العائد إلى أكثر من 15% ثم انخفض الآن إلى ما يقرب من 10% .

والذي يقوم بهذا التحديد القابل للزيادة أو النقصان ، هو المسئول عن هذا الشأن طبقا للتعليمات التي تصدرها الجهة المختصة في الدولة ” .

إن صدر هذه الفقرة يفيد أن البنك يضمن الربح لعملائه ، ولا يضيره أن يحدد لهم الربح المعين مقدما ؛ لأنه يأمن الخطأ في التحديد أن يكون سبباً لخسارة ما ، فإن البنك مطمئن إلى دراسته الدقيقة للأسواق المحلية والعالمية ، وأوضاع المجتمع الاقتصادية . ثم إن البنك لم يحدد ربحاً معيناً مضموناً إلا وهو ضامن ربحاً أكبر ، فيأخذ أموال العملاء قرضاً ، ثم يقرضها لبنـوك أخرى بنسـبة ربح أعلى مما ضمنه لعملائه وهذا شأن البنوك ، وهذا مفهوم الاستثمار فيها ، لا أنها تستثمره في العقار أو المنقول أو الأسهم أو غير ذلك فإنه محظور عليها قانونا كما سبق البيان ، بل عمل البنوك توليد النقود بالنقود ، وقد نبه فقهاؤنا على خطورة اتخاذ النقود سلعة تباع وتشترى ، فقال الشاطبي وغيره : النقود خلقت أثماناً وقيماً للسلع ومتى استعملت سلعة دخل على الناس الفساد . والنابهون من الاقتصاديين اليوم يؤكدون هذا المعنى الاقتصادي الدقيق فالبنك إنما يتحصل على الفائدة لعملائه وله أيضاً عن طريق بيع النقود والمضاربة الربوية فيها بالإقراض والاقتراض .

والقول بأن تحديد البنك قابل للزيادة والنقص ، هذه العبارة تشعر بمناقضة الفقرة السابقة التي يحدد فيها البنك الفوائد تحديداً دقيقاً . وهي عبارة توهم بأن الربح متغير وهي سمة التجارة المشروعة ، وليس المراد ذلك قطعا فإن البنك يحدد لكل عملية ربحها المحدد المضمون الثابت الذي لا يزيد ولا ينقص ، ولكن المراد أن الزيادة والنقص في العقود المختلفة وفي أزمنة مختلفة فهي تزيد وتنقص تبعاً للظروف والزمان والأحوال . والبنك المركزي هو الذي يتدخل ويفرض نسبة الفوائد التي قد تختلف من وقت لآخر وفق معطيات اقتصادية وسياسية مختلفة .


د – الفقرة الرابعة :

” ومن فوائد هذا التحديد – لاسيما في زماننا هذا الذي كثر فيها الانحراف عن الحق والصدق – أن في هذا التحديد منفعة لصاحب المال ، ومنفعة أيضاً – للقائمين على إدارة هذه البنوك المستثمرة للأموال ” . فيه منفعة لصاحب المال ؛ لأنه يعرفه حقه معرفة خالية من الجهالة ، وبمقتضى هذه المعرفة ينظم حياته .

وفيه منفعة للقائمين على إدارة هذه البنوك ؛ لأن هذا التحديد يجعلهم يجتهدون

في عملهم وفي نشاطهم حتى يحققوا ما يزيد على الربح الذي حددوه لصاحب

المال ، وحتى يكون الفائض بعد صرفهم لأصحاب الأموال حقوقهم ، حقاً خالصاً لهم في مقابل جدهم ونشاطهم .

هذه الفقرة تركن إلى الدليل الأضعف وهو بناء الحل على المنافع والمصالح ، والمقرر عند علماء الأصول أن شرط الأخذ بالمصلحة وبناء الحكم عليها إذا لم تصادم نصاً ، وقد أجمع الفقهاء والأصوليون على أن المصلحة لا تقدم على النص عند التعارض – ومن قال بخلافه وهو الطوفي فقول شاذ لا يخرق الإجماع – ، ولذا كانت المصالح المصادمة للنصوص غير معتبرة ، وما بنى عليها باطل ، وكانت الفائدة الربوية وإن كان فيها مصلحة للمرابين إلا أنها مال خبيث لا يحل ، ولا يعتبر طريقا من طرق الملكية ولذا لم تجب الزكاة في الفائدة الربوية لخبثها ، ومن قال إن الربا فيه مصالح حقيقية ، بل الصحيح أن مصالحه موهومة بل هي مفاسد حقيقية . ولذا سماه الله ظلما فقال تعالى : ” وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ” ([80]) ، فالزيادة على رأس المال ربا وظلم ، يقول الإمام ابن تيمية : ” الربا فيه ظلم محقق لمحتاج ، ولهذا كان ضد الصدقة ، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء ، فإن مصلحة الغني والفقير في الدين والدنيا لا تتم إلا بذلك ، فإذا أربى معه فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه وظلمه زيادة أخرى ، والغريم محتاج إلى دينه . فهذا من أشد أنواع الظلم ، ويعظمه : لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكله وهو الآخذ ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة ، وشاهديه ، لإعانتهم عليه ” ([81]) .

وإذا كان ربا الجاهلية ظلمه ظاهر على المقترض المحتاج للمال ضرورة ، فيعجز عن السداد فيزاد عليه حتى يباع عليه ما يملك أو يستعبد هو نفسه ، فإن ربا البنوك في المعاملة محل الفتوى ، الضعيف فيها هو المقرض المغلوب على أمره الذي لا يستطيع أن ينمي أمواله ويستثمرها ، فيعطلها إذ يدفعها إلى المقترض يتقوى بها على الباطل والحرام فيستثمرها في الربا وهذا ضرره أبلغ فإن ضرر المدين المضطر على نفسه والظلم واقع عليه ابتداء ، لكن ضرر البنك خاصة أكبر ؛ لأنه ضرر على المجتمع بأسره في تعطيل المال ، وحرمان المجتمع من التنمية .

ولا يخفي أن الظلم ظلم سواء من الدائن أو المدين ، فالبنك المدين هنا يظلم الدائن إذ يعطيه القليل فهذه الفائدة بحد ذاتها ظلم ومانحها ظالم ، ثم يتحول بمال المدين الذي ملكه ليصبح دائناً قوياً يأخذ أكثر مما أعطى ، فضرره ثنائي مضاعف . ولقد بحت أصوات الاقتصاديين في التنبيه على أضرار الربا المدمرة للأفراد والمجتمعات والدول ، وأنها السبب الرئيسي في تباعد طبقات المجتمعات في المجتمع الواحد بين فئاته وبين الدول الغنية والفقيرة . حيث يكبل القوي الضعيف بالديون وفوائدها فيستغل خيراته ويستعبد أهله .

ولسنا هنا في معرض بيان آثار الربا ومساوئه على الفرد والأسرة والمجتمع والدول والاقتصاد العالمي برمته ، فهذا قد خصصت له بحوث مطولة من علماء الاقتصاد قبل علماء الشريعة .

والفتوى تشير بوضوح إلى أن للبنك مطلق الحرية في استثمار المال كله لصالحه بعد أن يتفضل بالقليل لأصحاب الأموال ، وتعلل الفتوى حل ريع هذا الاستثمار لأموال المودعين ” بأنه حق خالص لهذه البنوك مقابل جهدهم ونشاطهم ” فكيف يكون هذا الظلم حقاً وهو استغلال لأموال أصحاب الأموال ، وكيف يكون حقاً خالصاً وهو إنما يستثمره في الحرام البين ؛ لأن من سطر هذه الفتوى ووافق عليها يعلم قبل غيره أن البنك إنما يستثمرها في بنوك أخرى بطريق الربا لا غير .

هـ الفقرة الخامسة :

” وقد يقال : إن البنوك قد تخسر فكيف تحدد هذه البنوك للمستثمرين أموالهم عندها الأرباح مقدماً ؟ .

والجواب : إذا خسرت البنوك في صفقة ما فإنها تربح في صفقات أخرى ، وبذلك تغطي الأرباح والخسائر” .

هذه الفقرة تؤكد أن أصحاب الفتوى العلماء حفظهم الله يدركون أن البنوك ضامنة للربح ؛ لأنها لن تخسـر فان البنك ضامن ربحه في صفقته مع البنوك الأخرى ، وعلى فرض الخسارة فإن البنك يوزع المخاطر فيعقد عدة صفقات مع بنوك أخرى . فالخسارة إن وقعت محدودة ونادرة . والأرباح تغطي الخسائر لو وقعت ، والصفقات المشار إليها معلوم لدى من يفتي بأنها صفقات ربا لا ريب . إذ البنوك ممنوعة من أي صفقات في غير الربا . ولا تمتنع البنوك من إعطاء الفائدة لأصحاب الأموال . وإلا فالقضاء ينصفهم ؛ لأن القضاء يعتبر الفائدة المحرمة حقاً للمقرض وواجباً لا ينفك أداؤه عن المقترض.


و الفقرة السادسة :

” والخلاصة إن تحديد الربح مقدماً للذين يستثمرون أموالهم عـن طريق الوكالة الاسـتثمارية في البنوك أو غيرها حلال لا شبهة في هذه المعاملة فهي من قبيل المصالح المرسـلة وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها . وبناءً على ما سبق فإن استثمار الأموال لدى البنوك التي تحدد الربح أو العائد مقدماً حلال شرعاً ولا بأس به ” .

هذه الفقرة تكـرر المعاني السـابقة فتقر بأن تحديد الربح أو بالمعنى الصحيح اشتراط ضمان الربح حلال ما دام مبنياً على الوكالة الاستثمارية المقصود الوكالة بالاستثمار في البنوك أو غيرها ، وهنا يدخل في الفتوى غي البنوك من الشركات والمؤسسات المالية ، واعتقد أن المراد هو البنك السائل وهو ” بنك الشركة المصرفية العربية الدولية وغيره من البنوك ، ولكن سرعة الصياغة ربما أوقعت في هذا اللبس غير المراد . وتؤكد الفقرة بأن هذه المعاملة حلال لا شبهة فيها . وهذا إيماء لوجود الشبهة ، وإلا لاكتفي بأن المعاملة حـلال ، وتضيف الخلاصة دليلاً آخر لم يسبق ذكره وهذا عيب في الفتوى أن تذكر دليلاً في الخلاصة لا ذكر له في أصل أدلة الفتوى ، ويحشر في الفتوى حشراً . وهو قول الفتوى بأن ” هذه المعاملة من قبيل المصالح المرسلة ” . وأظن أن من بين أعضاء المجمع الحاضرين ثلاثة من الفقهاء المختصين المتعمقين في الفقه وأصول الفقه ، وهم الوحيدون الذين اعترضوا على الفتوى . وهم يعلمون يقيناً ما معنى المصالح المرسلة . ولا أظن ذلك يخفي أيضاً على بقية العلماء الكرام . فالمصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يرد نص باعتبارها فينص على أنها جائزة ، ولم يرد نص بإلغائها فينص على أنها غير معتبرة وملغاة . وقد أوردت الفتوى نصاً قرآنياً ادعت انه دليل اعتبار هذه العاملة وهي قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (  فتكون مصلحة معتبرة لا مصلحة مرسلة بناءً على هذه الآية .  وقد بينا أن الاستشهاد في غير محله ولم يبق إلا أن هذه المعاملة محرمة وهي من الربا ، وهي حينئذ مصلحة ملغاة بالنص القاطع وهي آي من التحريم من القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع فقهاء الأمة . فهي مصلحة يتحقق فيها شرط الإلغاء . ثم إن عبارة ” إنها من قبيل المصالح المرسلة وليست من العقائد أو العبادات التي لا يجوز التغيير أو التبديل فيها ” عبارة غير سليمة علمياً ، فان العقائد والعبادات لا تقابل بالمصالح المرسلة ، وإنما يقابل بالمصالح المرسلة المصلحة المعتبرة التي ورد النص باعتبارها ، والمصلحة الملغاة التي ورد النص بإلغائها والمصلحة العامة والخاصة التي وردت النصوص باعتبارها ، فمحل المصالح والمصالح المرسلة هو في المعاملات ، ومن المعاملات المحققة للمصالح ما لا يجوز فيها التبديل أو التغيير بإدخال شروط أو إلغاء بعضها كعقد السلم والاستصناع والمضاربة ونحوها مما بني أصلاً على المصالح . وإنما العبادات والعقائد يمكن أن تقابل المصلحة بالمعنى العام ؛ لأن المصلحة تتغير بتغير الزمان والمكان ، ولكنها وفق ضوابطها ، بألاّ تخالف نصاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ، وألا تفوت مصلحة أكبر .

وبناءً على ما سبق من هذا البيان المستقرئ للفتوى بالرد والتصحيح فإنه يسعنا القول إن هذه الفتـوى مردودة لمصادمتها نصوص الشرع القاطعة بحرمة الربا ، وخرقها لإجماع الفقهاء قديماً وحديثاً وإنها قول شـاذ لا يدخل في باب الاجتهاد . إذ لا اجتهاد مع النص . ولو لم يكن في هذه الفتوى إلا شبهة الربا لبطلت إذ شبهة الربا ربا .

وتبطل هذه الفتوى بتضافر إجماع مجامع الفقه في هذا العصر بدءاً بقرار مجمع البحوث الإسلامية وقد سبق ذكر فتواه والذي شارك فيها قرابة مائه وخمسين فقيهاً من خمس وثلاثين دولة ، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي يضم الدول الإسلامية كلها ممثلة بأبرز علمائها وبحضور زهاء مائة وأربعين فقيهاً ومجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي ، وفيما يلي ذكر هذه الفتاوى ، وتذيلها بفتوى فضيلة شيخ الأزهر عينه ونفسه الشيخ محمد سيد طنطاوي . وكل هذه الفتوى في الموضوع نفسـه إقراض البنك ومنح البنك فائدة على هذا الإقراض .


أولاً : فتوى وقرار مجمع الفقه الإسلامي

بمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم : 10 ( 10 / 2 )

في حكم التعامل المصرفي بالفوائد، وحكم التعامل بالمصارف الإسلامية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما بعـد :

فان مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمـره الثاني بجدة من 10 – 16 ربيع الثاني 1406هـ ، الموافق 22 – 28 ديسمبر 1985م .

بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر ، وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي ، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث .

وبعد التأمل فيما جره هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما في كتاب الله من تحريم الربا جزئياً وكلياً تحريماً واضحاً بدعوته إلى التوبة منه ، وإلى الاقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة ولا نقصان قل أو كثر ، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين .

قــرر :

أولاً :  أن كل زيادة ( أو فائدة ) على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله ، وكذلك الزيادة ( أو الفائدة ) على القرض منذ بداية العقد : هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً .

ثانياً :  أن البديل الذي يضمن السيولة المالية والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام هي التعامل وفقاً للأحكام الشرعية  – ولاسيما ما صدر عن هيئات الفتوى المعنية بالنظر في جميع أحوال التعامل التي تمارسها المصارف الإسلامية في الواقع العملي .

ثالثاً :  قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف الإسلامية القائمة، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته . والله أعلم .

 


ثانياً : فتوى وقرار مجمع رابطة العالم الإسلامي

القرار السادس بشأن تفشي المصارف الربوية

وتعامل الناس معها وحكم أخذ الفوائد الربوية

ـــــــــــــــــــــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعد :

فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 12 رجب 1406هـ إلى يوم السبت 19 رجب 1406هـ قد نظر في موضوع ” تفشي المصارف الربوية ، وتعامل الناس معها وعدم توافر البدائل عنها ” وهو الذي أحاله إلى المجلس معالي الدكتور الأمين العام نائب رئيس مجلس الإدارة .

وقد استمع المجلس إلى كلام السادة الأعضاء حول هذه القضية الخطيرة ، التي يقترف فيها محرم بين ، ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع ، وأصبح من المعلوم من الديـن بالضرورة ، واتفق المسلمون كافة على انه من كبائر الإثم ، والموبقات السبع ، وقد آذن القرآن الكريم مرتكبيه بحرب من الله ورسوله ، قال تعالى : )  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسـوله وإن تبتـم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ( ([82]) .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال : ” لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء ” ([83]) .

كما روى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم : ” إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله عز وجل ” وروى نحوه ابن مسعود .

وقد أثبتت البحـوث الاقتصادية الحديثة أن الربا خطر على اقتصاد العالم وسياسته ، وأخلاقياته وسلامته ، وأنه وراء كثير من الأزمات التي يعانيها العالم . وأن لا نجاة من ذلك إلا باستئصال هذا الداء الخبيث الذي هو الربا من جسم العالم ، وهو ما سبق به الإسلام منذ أربعة عشر قرناً .

ومن نعمة الله تعالى أن المسـلمين بدأوا يستعيدون ثقتهم بأنفسهم ووعيهم لهويتهم ، نتيجة وعيهم الديني ، فتراجعت الأفكار التي كانت تمثل مرحلة الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية ، ونظامها الرأسمالي ، والتي وجدت لها يوما من ضعاف الأنفس من يريد أن يقر النصوص الصريحة الثابتة قسراً لتحليل ما حرم الله ورسوله . وقد رأينا المؤتمرات والندوات الاقتصادية التي عقدت في أكثر من بلد إسلامي ، وخارج العالم الإسلامي أيضاً ، تقـرر بالإجماع حرمـة الفوائد الربوية ، وتثبت للناس إمكان قيام بدائل شرعية عن البنوك والمؤسسات القائمة على الربا .

ثم كانت الخطوة العملية المباركة ، وهي إقامة مصارف إسلامية خالية من الربا والمعاملات المحظورة شرعاً ، بدأت صغيرة ثم سرعان ما كبرت ، قليلة ثم سرعان ما تكاثرت حتى بلغ عددها الآن في البلاد الإسلامية وخارجها أكثر من تسعين مصرفاً .

وبهذه كذبت دعوى العلمانيين وضحايا الغزو الثقافي الذين زعموا يوماً أن تطبيق الشريعة في المجال الاقتصادي مستحيل ؛ لأنه لا اقتصاد بغير بنوك ، ولا بنوك بغير فوائد .

وقد وفق الله بعض البلاد الإسلامية مثل باكستان لتحويل بنوكها الوطنية إلى بنوك إسلامية لا تتعامل بالربا أخذاً ولا عطاءً ، كما طلبت البنوك الأجنبية أن تغير نظامها بما يتفق مع اتجاه الدولة ، وإلا فلا مكان لها . وهي سنة حسنة لها أجرها وأجر من عمل بها إن شاء الله .

ومن هنا يقرر المجلس :

أولاً : يجب على المسلمين كافة أن ينتهوا عما نهي الله تعالى عنه من التعامل بالربا ، أخذاً أو عطاءً ، والمعاونة عليه بأية صورة من الصور ، حتى لا يحل بهم عذاب الله ، ولا يأذنوا بحرب من الله ورسوله .

ثانياً : ينظر المجلس بعين الارتياح والرضا إلى قيام المصارف الإسلامية ، التي هي البديل الشرعي للمصارف الربوية ويعني بالمصارف الإسلامية كل مصرف ينص نظامه الأساسي على وجوب الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع معاملاته ، ويلزم إدارته بوجوب وجود رقابة شرعية ملزمة . ويدعو المجلس المسلمين في كل مكان إلى مساندة هذه المصارف وشد أزرها ، وعدم الاستماع إلى الشائعات المغرضة التي تحاول التشويش عليها ، وتشويه صورتها بغير حق .

ويرى المجلس ضرورة التوسع في إنشـاء هذه المصارف في كل أقطار الإسلام ، وحيثما وجد للمسلمين تجمع خارج أقطاره ، حتى تتكون من هذه المصارف شبكة قويه تهيئ لاقتصاد إسلامي متكامل .

ثالثاً : يحرم على كل مسلم يتيسر له التعامل مع مصرف إسلامي أن يتعامل مع المصارف الربوية في الداخل أو الخارج ، إذ لا عذر له في التعامل معها بعد وجود البديل الإسلامي ، ويجب عليه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب ، ويستغني بالحلال عن الحرام .


ثالثاً : فتوى الشيخ محمد سيد طنطاوي

ــــــــــــــــــــ

سئل فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي شـيخ الأزهر عن شهادات الاستثمار وهي مماثلة لمحل السؤال يوم أن كان مفتياً في 14 مـن شـهر رجب عام 1409هـ ( 20/2/1989م ) .

فأجاب :  يقول تبارك وتعالى  :

) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ( ([84]) .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي سعيد قال : ” الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيـد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ” ([85]) .

وأجمع المسلمون على تحريم الربا.

والربا في اصطلاح فقهـاء المسلمين هو زيادة مال في معاوضة مال بدون مقابل . وتحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه في كل الأديان السماوية .

لما كان ذلك :

وكان إيداع الأموال في البنوك ، أو إقراضها ، أو الاقتراض منها ، بأي صورة من الصور مقابل فائدة محددة مقدماً زمناً ومقداراً يعتبر قرضاً بفائدة ، وكل قرض بفائدة محددة مقدماً حرام ، كانت تلك الفوائد التي تعود على السائل داخلة في نطاق ربا الزيادة المحرم شرعاً بمقتضى النصوص الشرعية .

ننصح كل مسلم بأن يتحرى الطريق الحلال لاستثمار ماله والبعد عن كل مل فيه شبهة الحرام ؛ لأنه مسؤول يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه . والله سبحانه وتعالى أعلم .

ثم سئل في السنة ذاتها بعد شهر في شعبان 1409هـ عن شهادات الاستثمار وهي مطابقة لموضوع الفتوى الحالية فكان جوابه :

{ شهادات الاسـتثمار ذات الفائدة المحددة مقدماً زمناً ومقداراً مثل شهادات   ” أ ” ، ” ب ” ، هي قرض بفائدة الوصف تكون الفائدة من ربا الزيادة المحرم شرعاً بنص الكتاب والسنة والإجماع } .

حفظ الله الأزهر الشريف بشرف ما يحمل من علم الكتاب والسنة ، وحفظه مشعل هداية جبلاً أشم شامخاً ينافح ويدافع بعلمائه الراسخين في العلم عن الإسلام وعلوم الشريعة ، ويحمي بيضة الإسلام وحوضه أن يثلم أو دعوته أن تشوه ، وأن يحفظه من الكبوات العارضات . ويظل أبد الدهر شاطئ أمن وبحرا زاخرا قد امتلأ علماً وحكمة لا يضيره شيء بعون الله .

وما يضير البحر أمسى زاخراً      أن رمى فيـه وليــد بحجـر

وقريبا قال شوقى عن الأزهر       قصيدتـه العصمـاء ومطلعـها

قم في فم الدنيا وحي الأزهرا       وانثر على سمع الزمان الجوهرا

وقال في فقهائه الراسخين في العلم :

كانوا ملوكاً من أجل الملوك جلالة    وأعـز سلطاناً وأفخم مظهرا

والحمد لله رب العالمين ..

المراجع

 

كتب الفقه وأصول الفقه :

   1 –  

الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي ، اسم المؤلف : علي بن عبد الكافي السبكي ، دار الكتب العلمية ،  بيروت ، 1404 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : جماعة من العلماء .

   2 –  

الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي ، اسم المؤلف : علي بن عبد الكافي السبكي ، دار الكتب العلمية ،  بيروت ، 1404 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : جماعة من العلماء .

   3 –  

الإحكام في أصول الأحكام ، اسم المؤلف : علي بن أحمد بن حزم الأندلسي أبو محمد ، دار الحديث ، القاهرة ، 1404 هـ ، الطبعة الأولى .

   4 –  

الإحكام في أصول الأحكام ، اسم المؤلف : علي بن محمد الآمدي أبو الحسـن ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1404 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. سيد الجميلي .

   5 –  

إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول ، اسم المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني ، دار الفكر ، بيروت ، 1412 هـ ، 1992 م ، الطبعة الأولى ، تحقيق : محمد سعيد البدري أبو مصعب .

   6 –  

أصول البزدوي ، كنز الوصول إلى معرفة الأصول ، اسم المؤلف : علي بن محمد البزدوي الحنفيى ، مطبعة جاويد بريس ، كراتشي .

   7 –  

أصول السرخسي ، اسم المؤلف : محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر ، دار المعرفة ، بيروت .

   8 –  

إعلام الموقعين عن رب العالمين ، اسم المؤلف : أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشـقي ، دار الجيل ، بيروت ، 1973 م ، تحقيق : طه عبد الرؤوف سعد .

   9 –  

البحر المحيط في أصول الفقه ، اسم المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ، دار الكتب العلمية ،  لبنان ، بيروت ،  1421 هـ ،  2000 م ، الطبعة الأولى ، تحقيق وضبط نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه : د . محمد محمد تامر .

10 –      

التبصرة في أصول الفقه ، اسم المؤلف : إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي أبو إسحاق ، دار الفكر ، دمشق ، 1403 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. محمد حسن هيتو .

11 –      

التحبير شرح التحرير في أصول الفقه ، اسم المؤلف : علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي ، مكتبة الرشد ، السعودية ، الرياض ، 1421 هـ ، 2000 م ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. عبد الرحمن الجبرين، د. عوض القرني، د. أحمد السراح .

12 –      

تخريج الفروع على الأصول ، اسم المؤلف : محمود بن أحمد الزنجاني أبو المناقب ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1398 هـ ، الطبعة  الثانية ، تحقيق : د. محمد أديب صالح .

13 –      

التقرير والتحرير في علم الأصول ، اسم المؤلف : ابن أمير الحاج ، دار الفكر ، بيروت ، 1417هـ ، 1996م .

14 –      

التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ، اسم المؤلف : عبد الرحيم بن الحسن الإسـنوي أبو محمد ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1400 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. محمد حسن هيتو

15 –      

تيسـير التحرير ، اسم المؤلف : محمد أمين المعروف بأمير بادشاه ، دار الفكر ، بيروت .

16 –      

حاشية العطار على جمع الجوامع ، اسم المؤلف : حسن العطار ، دار الكتب العلمية ،  لبنان ، بيروت ، 1420هـ ،  1999م ، الطبعة الأولى .

17 –      

الرسالة ، اسم المؤلف : محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي ، القاهرة ،  1358 هـ ، 1939 م ، تحقيق : أحمد محمد شاكر .

18 –      

الرسالة ، اسم المؤلف : محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي ، القاهرة ، 1358 هـ ،  1939 م ، تحقيق : أحمد محمد شاكر .

19 –      

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ، اسم المؤلف : تاج الدين أبي النصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي ، عالم الكتب ،  لبنان ، بيروت ، 1999 م ، 1419 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود .

20 –      

روضة الناظر وجنة المناظر ، اسم المؤلف : عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد ، جامعة الإمام محمد بن سعود ، الرياض ، 1399 هـ ، الطبعة الثانية ، تحقيق : د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد .

21 –      

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه ، اسم المؤلف :   سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الشافعي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ،  1416هـ ،  1996م ، تحقيق : زكريا عميرات .

22 –      

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه ، اسم المؤلف :  عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1416هـ ، 1996م ، تحقيق : زكريا عميرات .

23 –      

شرح القواعد الفقهية ، اسـم المؤلف : أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ، دار القلم ، دمشق ، سوريا ، 1409 هـ ، 1989 م ، الطبعة الثانية ، تحقيق وصححه وعلق عليه : مصطفى أحمد الزرقا .

24 –      

شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير أو المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه ، اسم المؤلف : محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار ، جامعة أم القرى ، معهد البحوث العلمية ، 1413 هـ ، الطبعة الثانية ، تحقيق : د. محمد الزحيلي ، د. نزيه حماد .

25 –      

غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر ، لزين العابدين ابن نجيم المصري ، اسم المؤلف : أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي الحنفي ، دار الكتب العلمية ، لبنان ، بيروت ،  1405هـ ،  1985م ، الطبعة الأولى ، تحقيق : شرح مولانا السيد أحمد بن محمد الحنفي الحموي .

26 –      

الفروق ، اسم المؤلف : أسعد بن محمد بن الحسين النيسابوري الكرابيسي ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، الكويت ، 1402 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. محمد طموم .

27 –      

الفصول في الأصول ، اسم المؤلف : أحمد بن علي الرازي الجصاص ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، الكويت ، 1405 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : د. عجيل جاسم النشمي .

28 –      

قواطع الأدلة في الأصول ، اسم المؤلف : أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1418هـ ، 1997م ، تحقيق : محمد حسن إسماعيل الشافعي .

29 –      

قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، اسـم المؤلف : أبي محمد عز الدين السلمي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .

30 –      

كتاب التلخيص في أصول الفقه ، اسم المؤلف : أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ، دار البشائر الإسلامية ، بيروت ،  1417 هـ ، 1996م ، تحقيق : عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري .

31 –      

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ، اسم المؤلف : علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ،  1418 هـ ، 1997م ، تحقيق : عبد الله محمود محمد عمر .

32 –      

المحصول في أصول الفقه ، اسم المؤلف : القاضي أبي بكر بن العربي المعافري المالكي ، دار البيارق ، عمان ، 1420هـ ، 1999م، الطبعة ، الأولى ، تحقيق : حسين علي البدري ، سعيد فودة .

33 –      

المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، اسم المؤلف :  علي بن محمد بن علي البعلي أبو الحسن ، جامعة الملك عبد العزيز ، مكة المكرمة ، تحقيق : د. محمد مظهربقا .

34 –      

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، اسم المؤلف : عبد القادر بن بدران الدمشقي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1401 هـ ، الطبعة الثانية ، تحقيق : د. عبد الله بن عبد المحسن التركي .

35 –      

المستصفى في علم الأصول ، اسـم المؤلف : محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1413 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : محمد عبد السلام عبد الشافي .

36 –      

المسودة في أصول الفقه ، اسم المؤلف : عبد السـلام عبد الحليم أحمد بن عبد الحليم آل تيمية ، دار النشر : المدني ، القاهرة ، تحقيق : محمد محيى الدين عبد الحميد .

37 –      

المعتمد في أصول الفقه ، اسم المؤلف : محمد بن علي بن الطيب البصري أبو الحسين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1403 هـ ، الطبعة الأولى ، تحقيق : خليل الميس .

38 –      

المنثور في القواعد ، اسم المؤلف : محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، الكويت ، 1405 هـ ، الطبعة الثانية ، تحقيق : د. تيسير فائق أحمد محمود .

39 –      

المنخول في تعليقات الأصول ، اسم المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ، دار الفكـر ، دمشق ، 1400 هـ ، الطبعة الثانية ، تحقيق : د. محمد حسن هيتو .

40 –      

الموافقات في أصول الفقه ، اسم المؤلف : إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي ، دار المعرفة ، بيروت ، تحقيق : عبد الله دراز .

41 –      

الورقات ، اسم المؤلف : عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ، تحقيق : د. عبد اللطيف محمد العبد .

كتب التفسير والقراءات :

42 –      

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، اسم المؤلف : محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي ، دار الفكر للطباعة والنشر ، بيروت ، 1415هـ ،  1995 م ، تحقيق : مكتب البحوث والدراسات .

43 –      

التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، اسم المؤلف : فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ،  1421هـ ، 2000 م ، الطبعة الأولى .

44 –      

الدر المنثور ، اسم المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي ، دار الفكر ، بيروت ، 1993 م .

 



([1])  أبو حنيفة وآراؤه في العقيدة الإسلامية للدكتور عناية الله إبلاغ ، ص 332 ، وترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 1/230 ، والشـافعي عصره وآراؤه وفقهه للشيخ محمد أبي زهرة ، ص 22 ، والبداية والنهاية لابن الكثير 10/238 ، 243 .

([2])  كشف الأسرار 3/77 .

([3])  المستصفى 1/147 .

([4])  الإحكام للآمدي1/298 ، وإرشاد الفحول 1/160 .

([5])  البحر المحيط 6/489.

([6])   المستصفى  1/124 .

([7])  الإحكام لابن حزم 8/544 .

([8])  إعلام الموقعين 3/397 .

([9])  شرح النيل وشفاء العليل 12/157

([10])  مشكل الآثار للطحاوي 1/183 .

([11])  البرهان في أصول الفقه  1/346 .

([12])  المستصفى  1/129 .

([13])  البرهان 2/389 .

([14])  البحر المحيط في أصول الفقه 1/383 .

([15])  الإتقان في علوم القرآن 1/203 .

([16])  حاشية العطار على جمع الجوامع 1/300 .

 

([17])  التحبير شرح التحرير 3/1380 . الإتقان في علوم القرآن .

([18])  المختصر في أصول الفقه 1/72 .

([19])  التحبير شرح التحرير  3/1385 و1395 .

([20])  المحصول لابن العربي 1/×× .

([21])  قواطع الأدلة في الأصول 1/415 . 

 

([22])  تفسير القرطبي 3/296 .

([23])  زاد المسير 8/88 .

([24])  إعلام الموقعين 3/46 .

([25])  المجموع 1/98 .

([26])  كشف الأسرار 2/563 .

([27])  رد المحتار 5/290 .

([28])  درر الحكام المادة 1801 4/607 .

([29])  الدسوقي 1/20 .

([30])  نشـر البنود 2/272 ، ورفع العتاب والملام 64 و 75 ، وحاشية البناني على الزرقاني 7/124 ، وبلغة السالك 2/330 ، ومجموعة رسائل ابن عابدين 1/48 ، ونتائج الأحكام في النوازل والأحكام للرهوني 1/46 ، وذلك عن أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي 547 ، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل 44 و 51 و 53 بتصرف فيهما .

([31])  البحر المحيط 6/427 ، وتبيين الحقائق 5/125 .

([32])  التاج والإكليل 4/559 .

([33])  الفصول في الأصول 1/412 ، وإرشاد الفحول 1/160 .

([34])  الموسوعة الفقهية الكويتية 25/325 .

([35])  الموسوعة الفقهية الكويتية ، بتصرفات .

([36])  إعلام الموقعين 4/ 172 .

([37])  مجموعة رسائل ابن عابدين 1/48 ، عن نظرية الأخذ بما جرى به العمل ، ص 53 ، رد المحتار 5/290 .

([38])  درر الحكام المادة 1801 4/607

([39])  الموسوعة الفقهية 25/358 ، والبرهان في أصول الفقه 2/64.

([40])  فتح العلى المالك  1/170و173 ، منح الجليل 1/21 ، وحاشية الدسوقي 1/20 ، وشرح مختصر خليل للخرشي 1/36 .

([41])  فتح العلى المالك 1/68 .

([42])  فتح العلى المالك 1/76 .

([43])  أنوار البروق 4/51 .

([44])  فتح العلي المالك 1/61 .

([45])  نظرية الأخذ بما عليه العمل ، ص 45 .

([46])  شرح حدود ابن عرفة ، ص 69 .

([47])  مواهب الجليل 1/462 .

([48])  المجموع 6/520 .

([49])  المجموع 7/267 .

([50])  روضة الطالبين 7/261 .

([51])  الموسوعة الفقهية الكويتية 5/65 .

([52])  الموسوعة الفقهية الكويتية 25/96.

([53])  أحكام القرآن للجصاص 1/165 .

([54])  أحكام القرآن للجصاص 1/265.

([55])  رد المحتار 6/48 ، والعقود الدرية تنقيح الحامدية 2/120 . 

([56])  فتاوى السبكى 2/297.

([57])  الفصول في الأصول للجصاص 1/156 ، والمبسوط 8/140 .

([58])  الفصول في الأصول للجصاص 1/409 .

([59])  انظر المنتقى في شرح الموطأ 7/ .83 ، وكذا أحكام القرآن لابن العربى 3/291 .

([60])  انظر المجموع  1/231 ، والمغنى لابن قدامة 9/42 ، والفتاوى الكبرى 1/429.

([61])  الإحكام في أصول الأحكام 2/300 .

([62])  المرجع السابق 3/147 .

([63])  المرجع السابق 4/69 .

([64])  المرجع السابق 1/323 .

([65])  المرجع السابق 2/339 .

([66])  المرجع السابق 3/154 .

([67])  الإبهاج في شرح المنهاج 1/241 .

([68])  فتاوى الشيخ شلتوت 351 .

([69])  فوائد البنوك هي الربا الحرام 103 .

([70])  فوائد البنوك 103 .

([71])  سورة النساء الآية 29 .

([72])  البقرة : 278 – 279 .

([73])  البقرة : 275 .

([74])  مسلم (3/219) حديث رقم 1598 .

([75])  مشكاة المصابيح (2/90) ، حديث صحيح كما قال الشيخ ناصر الدين الألباني .

 

([76])  تفسير القرطبي 3/241 .

([77])  تفسير الرازي 4/92 .

([78])  أحكام القرآن 1/465 .

([79])  النساء : 29 .

([80])  البقرة : 276 .

([81])  القواعد النورانية  117 .

([82])  سورة البقرة 278-279 .

([83])  رواه مسلم .

([84])  الآيتان 278 ، 279 من سورة البقرة .

([85])  رواه البخاري وأحمد .