بسم الله الرحمن
الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونصلى ونسلم على المبعوث سلاما
وأمنا وهداية للعالمين. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .
فالحمد لله الذي قدم أهل العلم على من سواهم ، وأعلا شأنهم وسما
بمقامهم فى الدنيا ووعدهم مكانة سامية فى الآخرة . فقال عز من قائل : "يرفع الله
الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير " المجادلة : 11.
وقال العزيز الغفور : "
إنما
يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور " فاطر : 28 وقال العليم الخبير : "
قل هل يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون "الزمر " :9.
كما
أعلى
الله قدر الحاكم العادل وذكره النبي
صلى الله عليه وسلم في
أول السبعة الذين يظلهم في
ظله يوم لا ظل
إلا
ظله . وقال صلى الله عليه وسلم : "
إن
المقسطين على منابر من نور : الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا " رواه مسلم .
معالي
نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الشئون الاسلامية راعي
الندوة الشيخ عبد الله بن خالد آل خليفة المكرم .
سعادة معالي
وزير الأوقاف والشئون الاسلامية رئيس مجلس
إدارة
بيت الزكاة بدولة الكويت الدكتور عبد الله المعتوق الموقر .
السيد على محمد جبر المسلم رئيس مجلس ادارة صندوق الزكاة البحرينى المحترم .
السيد مدير عام بيت الزكاة بدولة الكويت الأستاذ عبد القادر العجيل المحترم .
السادة السفراء والوزراء وأعضاء مجلس النواب الالكرام .
الاخوة السادة الضيوف الفضلاء .
أيها
الحضور الكرام : نجتمع اليوم فى هذا البلد الصغير حجمه الكبير شأنه ومكانته ،
الكريم أهله ، نجتمع لنشرف ونحتفى بهذه الجمهرة من العلماء الأكفاء ، الذين أتوا من
بلاد عديدة وتركوا فيها مشاغل لهم هامة ومفيدة ، ليشهدوا ءاحياء وتنظيم فريضة من
فرائض الاسلام ، ويكون لهم في إحيائها سبب . وقد نزلوا أضيافا سعداء على كرام نبلاء
أهل
نخوة وشهامة إلى جانب حسن إدارة وسياسة وحنكة حتى جعلوا من بلادهم محط الأنظار،
ومقصدا للتجار، ومجلبة لرؤوس الأموال .
نجتمع جميعا علماء وساسة وخبراء لنشرف جميعا بموضوع هذا اللقاء
الحاشد، فريضة الزكاة ، عز الأمة ومظهر سيادتها وتمكينها ، فقد امتدح الله من إن
مكنه في الأرض أحياها وأقام شأنها فقال تعالى :" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " الحج
:41.وإنما
قرن الله تعالى الزكاة بالصلاة ههنا، وفى ثمانية وعشرين موضعا لتأكيد أن الزكاة
عماد حياة المجتمع كما أن الصلاة عماد حياة و نجاة الفرد . والأمر بالمعروف والنهى
عن المنكر سبب استمرارهما ولا غنـاء
للمسبـــــب
عن السبــــــب
. فبالصلاة والزكاة تحيا الأمة وتسعد في الدنيا والآخرة ، إذ لا تمكين للدين إلا
بهما ،فمن فرط فيهما أو فصل بينهما فقد والله أعرض عن ذكر الله واستحق غضبه وسخطه "
. ، وينتظره وعيد عذاب الله أعلم به فى الآخرة قال تعالــــــــى
: " ومن أعرض عن ذكرى فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني
أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " وكما استحق
المعرضون هذا الجزاء في الدنيا والآخرة ، استحق القائمون بأمر الصلاة والزكاة سعة
رحمة الله كذلك في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى لهم : " ورحمتي وسعت كل شيء
فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون "الأعراف :156.
أيها الحفل الكريم : إن الهيئة العالمية لقضايا الزكاة المعاصرة
لتسعد برؤيتكم كل عام وتقدر وجودكم وجهودكم على مدى ثلاث عشرة ندوة في ثلاث عشرة
سنة ،وهذه هى السنة الرابعة عشرة ، ومن يطلع على ثمرة جهودكم يحمد الله ويدعو الله
أن تكون هذه الثمار أجرا يثقل الله به موازينكم فقد أصدرتم زهاء مائتي قرار ، وخمس
وأربعين توصية وناقشتم ما يربو على خمسة وستين موضوعا ، ونظرتم فيما يربو على مائة
وعشرين بحثا . وهذا إثبات لأهمية هذا الركن العظيم وأهمية الدور الذي تقومون به
لتنظيم ووضع أساليب التطبيق في المؤسسات والشركات والبنوك الإسلامية ، وقد تلقت
المجامع والندوات العلمية هذه القرارات والتوصيات ووضعتها موضع التقدير والاعتبار
. كما أن كتابكم دليل الإرشادات لمحاسبة زكاة الشركات قد أخذ طريقه في التزام
الشركات الإسلامية به ،وأصبح المادة العلمية للتدريب .
إن من أهداف هيأتكم أن تعيد للزكاة شيئا مما كانت تقوم به في
الحضارة الإسلامية بل الإنسانية . حضارة الدولة الفاضلة التي تطهرت بالزكاة ونمت
حتى عسر على الخلفاء أن يجدوا من يستحقها ، فقرروا إعطاءها لمن مات وعليه دين فيسد
دينه منها سواء كان من الجند أو العامة ، ولمن تزوج وعجز عن مهر زوجه ، بل تعطى
لضعفاء أهل الذمة ومن ضعف عن الجزية تأليفا لقلوبهم . كتب عمر بن عبد العزيز رضي
الله عنه إلى أبى بكر بن حزم رحمه الله : أن لكل من هلك وعليه دين فاقض عنه دينه
من بيت مال المسلمين _ وأعم ما في بيت مال المسلمين الزكاة _ ، وكتب إلى يزيد بن
عمر بن الخطاب رحمه الله – وكان واليا على الكوفة – وكان يزيد قد كتب إليه أنه قد
اجتمعت عنده أموال بعد أعطية الجند فقال له : أعط منهم من كان عليه دين في غير فساد
أو تزوج فلم يقدر على نقد ، والسلام . ثم : كتب إليه يزيد انه قد بقى عندنا بعد ذلك
، فكتب إليه عمر أن قو أهل الذمة ،أو قال انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه
فأسلفه ما يقوى به على أرضه فانا لا نريده لعام أو عامين . وكتب إلى عدي بن أرطاة
:أنه قد أصاب الناس من الخير خير حتى لقد خشيت أن يبطروا فكتب إليه عمر : إن الله
لما أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار رضي من أهل الجنة بأن " وقالوا الحمد
لله الذي صدقنا وعده " الزمر : 74. فمر من قبلك أن يحمدوا الله.
أيها الحضور الكرام : إن من أهم ما قامت به فريضة الزكاة وبخاصة في
البلاد الإسلامية الفقيرة أن كفلت للمحتاجين من ملايين المسلمين نعمة عيش كريمة
حتى تفرغ أبناؤهم للعمل أو أنهم وجدوا وقتا للدرس وطلب العلم آمنين على قوتهم ،
فإذا انضم إلى ذلك بعدهم عن أعين الظالمين فقد تحقق لهم الأمن الغذائي والنفسي
وفتحت لهم أسباب الترقي والحضارة وظهر من بينهم العلماء والعباقرة والمخترعون ، فان
الخوف على النفس ولقمة العيش والخوف من ظلم الظالمين يقتل الإنسان حيا اذ يقتل فيه
كل طموح . يقول الامام الغزالى : " من كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف
الظلمة ، وطلب قوته من وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم والعمل " ويقول ابن خلدون: "
ان الملك اذا كان قاهرا باطشا منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف
والذل ، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة ، فتخلفوا بها وفسدت بصائرهم .. ان
الاستعباد يؤدى الى اسراع الفناء الى الأمة المستعبدة بسبب ما يحصل فى النفوس من
التكاسل فيقتصر الأمل ويضعف التناسل ، فاذا ذهب الأمل بالتكاسل تناقص عمرانهم ،
وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم .
أيها الحضور الكريم :لقد كان لجهود الجماعات والجمعيات الخيرية
والدعوية والأحزاب الاسلامية وقليل من مساعدات بعض الحكومات الاسلامية دور هام فى
إحياء هذا الركن العظيم ، حتى بدت آثاره ملموسة داخل بلاد المسلمين عامة وفى خارجها
خاصة . كم مسحت دمعة فقير ويتيم ، وسدت عوز المساكين والفقراء والغارمين وكفتهم عن
ذل السؤال ، وأنشأت بأموال الزكاة الكتاتيب والمدارس والكليات والجامعات ،كما عنيت
بانشاء مراكز الدعوة ينطلق منها الدعاة من أهل البلاد يجوبون أرضهم يدعون الى الله
على بصيرة .
وهذه الجهود والأنشطة قد تركت آثارا استرعت أنظار الحاقدين دولا
وأديانا، الراصدين الاسلام وانتشاره وما فتئوا من أمد يكيدون ويحتالون عليه علهم
يوقفون شيئامن مده ، وكان من آخر كيدهم وأخطرها رمى الاسلام واتهامه بالارهاب ،
حيلة ومكيدة لضرب الاسلام ودعاته وتعويق انتصاره وانتشاره ومن ثم إيقاف شريان حياته
وتجفيف منابع قوته وأولاها هذه الزكاة ، كيف لا وقد تحقق عندهم أن الزكاة سبب تواصل
المسلمين ، غنيهم بفقيرهم ، وقويهم بضعيفهم ، وأن الزكاة أعظم مورد دبت الحياة
بسببه في أوصال المسلمين ، حملها الدعاة إلى مجاهيل البلاد فأحيت فيهم عز الاسلام
وشيئا من ماضي تاريخه وحضارته ، فكان لابد – والحال هذه – أن تجفف ينابيع هذه
الزكاة أياكانت . فشرعوا بكيد يهود ومن والاهم يجندون ضغوط الاعلام جوا وأرضا
وصحافة وكتبا ، وضغوط الساسة والسياسة ، حتى خيل لكثير من الناس من سحرهم صدق قولهم
بأن الاسلام هو الارهاب وأنهم هم وحدهم دعاة السلام والحرية والمساواة والديمقراطية
. ومن أسف عظيم أن مجمل دولنا الاسلامية صدقت هذه الفرية طوعا أو أذعنت لها كرها ،
والثانية أظهر . فبادروا بفتح الملفات والسجلات والتحقيقات ، ثم جاءت لجان التدقيق
الأجنبية لتصنف جمعياتنا ، ولم تذهب بعيدا حتى بدأنا باغلاق العديد من الجمعيات
وصناديق الزكاة التي كانت بالأمس محط الثقة ، باسم محاربة الارهاب . كلمة نرددها
ولا سند يثبتها. ولا ندرى أيعلم قومنا أو لا يعلمون أنهم بذلك يساهمون فى قطع حبل
الزكوات والصدقات الواصل إلى الفقراء والأيتام، ويعيدون دمعة اليتيم والأرامل وقد
تعثرت بسببهم فعلا مؤسسات الخير ومعاهد العلم والكليات والجامعات . وقد بلغني عن
ثقة أنه قد قطع فى يوم واحد قرابة مائة وسبعين ألف كفالة يتيم ، لا ذنب لهم سوى أن
أموال الزكاة تحييهم وتفتح لهم أبوات العلم وتعيد لهم عزة الايمان والاسلام .
ألا إن الاسلام بريء مما يطعنون ، بل هم الارهابيون على التحقيق ،
هم رعاته ومحاضنه . وان كانوا دعاة سلام ومحاربة ارهاب حقا وصدقا فليجيبوا وليقولوا
لنا وللعالم : كم عدد من قتلوا من الأطفال والنساء والشيوخ في أفغانستان وكم قتلوا
منهم في العراق ؟ وليكشفوا للعالم عن أنواع الأسلحة التي استخدموها لحسم الحرب ،
أليست أسلحة من نوع ما يسمونه هم أسلحة الدمار الشامل. ما هي أساليب التعذيب التي
مارسوها على المسجونين التي لم يتسرب من أخبارها إلا النزر اليسير في سجون
أفغانستان وفى " أبو غريب " ؟ ثم ليقولوا لنا ما هو موقع المسجونين فى " جواتيناموا
" من القانون الدولى ومن حقوق الإنسان .
أيها الحفل الكريم : إن الاسلام سلام وزكاته طهارة ، طهارة للفرد و
طهارة للمجتمع ، فكما إن الصوم طهرة للصائم فكذلك الزكاة تزكية وطهارة للمزكي ،
ومال الزكاة مال طاهر بذاته ولذا لا يقبل إلا من مصدر طيب ورزق حلال ، وإنما كانت
الزكاة طهارة للمجتمع بطهارة أفراده إذ يشيع فيهم الطهر ، ولذا كان الخطاب في
الزكاة عاما ومنه قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " . ولقد
حارب الاسلام وحرم كل مال خبث مصدره ولو كان في ظاهره مصلحة ، كمن يتخذ من تصنيع
العنب خمورا باعتبارها مصدرا تجاريا قوميا رئيسيا للدولة ، فريعه مال خبيث لا ريب .
فطهارة المال أصل أصله ودليله مال الزكاة، وعموم قوله تعالى " وأحل الله البيع وحرم
الربا " . وقوله تعالى : " كلوا من طيبات ما رزقناكم ".
ومن عجب أو غفلة أن تظن بعض دولنا الاسلامية أن فتح أبواب الفساد
سبب لجلب رؤوس الأموال والرفاه ، وأن استجلاب رؤوس الأموال لا ينفك عن فتح هذه
الأبواب ، وطبقوا ذلك فعلا في ديارنا صغيرها وكبيرها، حتى غدت بعض بلاد المسلمين
مواخير فسق _ أعز الله السامعين _ قد تفوق فسق دول أوربية . ويزيدنا عجبا أن يظن
بعض أهل الرأي والقرار أن الفساد لأهله وعلى أهله ، كما أن الصلاح لأهله ، وأنه لا
مانع مع فتح أبوب الفساد على مصارعها وإقامة حلقات حفظ القرآن ومسابقات القرآن
المحلية والدولية وإقامة المؤتمرات الاسلامية. وهذا خلط بين الخبيث والطيب والفساد
والإصلاح يأباه ديننا ، وقد خص القرآن الكريم الفساد والإفساد بمساحة كبيرة تحذيرا
من خطورته وصيانة لمجتمع المسلمين إن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم . وقد وردت
كلمة الفساد ومشتقاتها في القرآن الكريم إحدى وخمسين مرة، ومنها قوله تعالى محذرا :
" ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين " القصص : 77. وتكررت عبارة "
إن الله لا يحب المفسدين" ثلاث مرات، ومن لا يحبه الله أبغضه ومن أبغضه لن يفلح في
الدنيا ولا فـــــي
الآخــــرة
كما ورد لفظ " الفسق " أربعا وخمسين مرة ، وعلى هذا فقد ورد في دائرة الفساد مائة
وخمس آيات في كتاب الله وفى ذلك دلالة على خطورة هذه الدائرة. ولعظم أمر الفساد
وخطورته قرنه الله تعالى بالقتل، لا قتل فرد واحد بل قتل أمة . فقال تعالى: " من
أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما
قتل الناس جميعا ومن أحياها
فكأنما
أحيا الناس جميعا " ثم وحد الله عقوبة الفساد وعقوبة القتل . فقال تعالى : " إنما
جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو
تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في
الآخرة عذاب عظيم " المائدة : 32 ،33. وهذه أشد عقوبة في كتاب الله.
والفساد كلمة عامة تشمل كل ماهو معصية كما قال الطبري في تفسير هذه الآية، وقال
مجاهد : الإفساد في الأرض : القتل والزنى والسرقة وإهلاك الحرث والنسل .
ولقد أجمع المؤرخون وتكرر منهم ذلك على مر التاريخ : أن من أول وأهم
أسباب انهيار الحضارات التي سادت ثم بادت فساد الأخلاق ، حين تفسد النخبة فيسرى
الفساد إلى العامة حيث لا يجدون من يوقفه عنهم فيعم الفساد فيهلك المال والحرث
والنسل.
وصيانة للمجتمع من آفات الفساد اعتبر الاسلام جرائم مخصوصة من
عناوين ودلائل الفساد، فشدد فيها ، فاعتبر جريمة الزنى مثلا جريمة اجتماعية وليست
جريمة شخصية كما تعتبرها قوانين أغلب الدول اليوم فغلب الاسلام فيها حق الله على حق
العبد ، فلم يقبل فيها العفو أو التنازل إذا ثبتت و بلغت الحاكم . في حين أن جريمة
القتل جريمة شخصية غلب فيها حق العبد فجاز فيها العفو ، فجريمة الزنى وكذا القذف
جريمة قابلة لأن تشيع ولا يقتصر فسادها على أطرافها ، بل يعم المجتمع بأسره ، ولذا
كان تعبير القرآن عن جريمة الزنى والقذف بقوله تعالى : " ان الذين يحبون أن تشيع
الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا
تعلمون " .النور : 19.
وإنا
لنرأف بأبنائنا وبناتنا أن يصيبهم شيء من فساد القنوات الفضائية الإباحية منها ،
فلا نفتح عليهم بأيدينا أبواب
الفساد يعاينوها واقعا فقد تنحرف بهم فتهلكهم وهم رأس مال لا يقدر بثمن . فواجب أهل
القرار فينا أن يسدوا أبوب الفساد فيغلقوا مواخيره ومقامره ومشارب خمره وفسقه فهذا
هو الواجب وهو من محل العهد والبيعة بين الحاكم المسلم والمحكوم كما يقول الماوردى
: " إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة فى حراسة الدين والدنيا " . وإذا انضم إلى فتح
أبوب الفسق تشريع الربا وحمايته فقد – والله – اكتملت أدوات حرب الله وحرب رسوله
صلى الله عليه وسلم وأصبح الإيمان على خطر . قال تعالى: " يا أيها اللذين آمنوا
اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا
فأذنوا بحرب من الله ورسوله " .
وينبغي أن نبين هنا أننا لا نقصد دولة بعينها ، ويا ليتها كانت دولة
واحدة بعينها لهان الخطب . ولا يهون. ولكنها دول أو مجمل الدول الاسلامية ، ويخرج
من أتون هذا الفساد من رحم الله .
أيها الحضور الغيورون الكرام : إن خطاب العلماء هذا إلى حكامهم –
وهم في غصة منه وضجر- مبناه حسن الظن بهم والنصح الذي أوجبه الله تعالى والنبي صلى
الله عليه وسلم عليه وسلم في العديد من الآيات والأحاديث ، كما قال جرير بن عبد
الله رضي الله عنه : " بايعنا رسول الله على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم " .
فندعوهم نصحا أن يفصلوا بين أسباب الحضارة ومظاهرها الفاسدة ، ويفصلوا بين استجلاب
رؤوس الأموال ، وفساد الأخلاق ، فاقترانهما ظلم وانفلات من ربقة الدين وطغيان ،
واستحقاق غضب الله تعالى قال عز من قائل :"كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه
فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى " طه : 81. والهوى الهلاك والتيه والذل
في الدنيا قبل الآخرة . فمن أراد رضي الله فليعمد الى أبواب الفساد يسدها ، فيسد
الله عنه أبوابا ويفتح له أبواب الرضي والخير من حيث لا يحتسب ، ويفتح له مصادر
المال الطاهر من كل صوب . " ولوا أن أهل القرى آمنوا والتقوا لفتحنا عليهم بركات من
السماء والأرض " الأعراف :96.
وما نقول ذلك إلا حبا لحكام المسلمين أن يرهبوا الله ويرغبوا فيما عنده ، وندعوا
لهم بالخير والفلاح في الدنيا والآخرة . ولم نفكر ساعة فى الدعاء عليهم قدوتنا
الأمام سعيد بن المسيب سيد التابعين رضي الله عنه ، وقد آذاه بنوا أميه فقيل له :
أدع على بنى أمية فقال: اللهم أعز دينك ، وأظهر أمر عبادك ، واخز أعداءك فى عافية
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . ونحن نقول : اللهم اهدهم وأعز بهم دينك وأولياءك .
هذا وبالله التوفيق
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ الدكتور عجيل جاسم
النشمى
رئيس الهيئة العالمية
لقضايا الزكاة المعاصرة
|