رابطة علماء الخليج: نصرة المقدسات واجب شرعي
الرابطة تؤكد على وجوب نصرة الأقصى
أكَّد بيان لرابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي أنَّ تحرك الأمة العربية والإسلامية لنصرة المقدسات واجب شرعاً، كما دعا دول مجلس التعاون -بشكل خاص- إلى تحريك أدوات الضغط التي تملكها.
وقال بيان الرابطة الذي صدر الجمعة (19-3-2010م): إن "الأمة -عربية وإسلامية- مدعوَّة -وجوباً شرعياً- للتحرك بإعلان صوتها عالياً ضد ما يحدث، وممارسة ضغوطها، والدعاء لأهل الرباط من الفلسطينيين والمقدِسيين بخاصة، كما أنها مدعوة قبل هذا للجهاد، فهو اليوم متعين وواجب شرعاً، وإذا حيل بينها والجهاد بالنفس؛ فإن الجهاد بالمال لا يسقط، فإنه مما لا يحول دونه شيء".
كما تعرَّض بيان رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي إلى دور الحكومات والأنظمة الرسمية تجاه ما يجري بالقول: إنَّ "حكوماتنا العربية والإسلامية لا نقول: مدعوة، بل واجبها اليوم أن تتحمل مسئوليتها الدينية والسياسية والتاريخية، فتقدم المواقف المؤثرة في مجريات الأحداث، وإنَّ حكوماتنا قادرة على فعل الكثير؛ تستطيع استثمار الضغوط السياسية والدبلوماسية، والضغوط التجارية، والاقتصادية؛ فإنَّ مصالح أمريكا وأوربا مع بلاد العرب والمسلمين أكثر منها مع اليهود الصهاينة".
وشدَّد البيان على ضرورة سحب مبادرة السلام العربية؛ حيث جاء فيه "تستطيع حكوماتنا العربية أن تسحب مبادرتها السلمية التي لم يعد لها محل في الواقع أمام غطرسة وجبروت اليهود، كما أنه لا محل لهذه المبادرة في ميزان الشرع، فإن الصلح الدائم مع اليهود وهم يحتلون جزءاً من أرض إسلامية محرم شرعاً؛ لأنه لا يحل إقرار العدو على أرض إسلامية بصفة الاستمرار، فإن حق كل مسلم متعلق بهذه الأرض المغصوبة، فإذا كانت أرضاً مقدسة؛ كان الحكم أشد حرمة".
وخُتم البيان بدعوة الرابطة "دول مجلس التعاون الخليجي خاصّة إلى تجديد مواقفها المعهودة في مثل هذه الأحداث الجسام، وهي اليوم مدعوة -كما العهد بها- إلى تحريك أدوات ضغوطها المتعددة".
رئيس رابطة علماء الشريعة بدول التعاون أكد أن الكبت والظلم والقهر والجبروت في بعض البلدان العربية والإسلامية أوجدت ضرورة التغيير
النشمي لـ «الأنباء»: أدعو القيادة المصرية المقبلة إلى عدم التطبيع مع إسرائيل أو التبعية لأميركا
الأحد 13 فبراير 2011 الأنباء
القوة في عواصم معظم العالم الإسلامي مازالت بيد العسكر وحيثما وجــد العسكــر وجـد معهـم الظلم والجبروت
التحرك الشعبي كـان لابد منـه حين بلــغ السيـل منتهـاه وبرائحـة كريهـة تأباهـا النفوس والهمم العالية
اطلعت على آراء وردود المخالفين والمؤيدين لموضوع طاعة ولي الأمر والمظاهرات واستبشرت خيراً لأن الموضوع حقق غرضه في إيصال الرسالة
كدّر صفوي ما كتبه البعض بطريقة تسفيه للرأي المخالف وعبارات لا تليق فيها المنابزة والهمز واللمز والتجريح فتدنى في الأسلوب
هناك من أهان العلماء بأسمائهم ولا يدري أنه يهدي من حسناته للغير وكان أكبر الحاصدين للحسنات الشيخ يوسف القرضاوي
مصر رأس حربة المسلمين أجمعين ومن هنا تحسب لها أميركا وأوروبا واليهود حساباً ليس لغيرها
ليلى الشافعي
أكد رئيس رابطة علماء الشريعة لدول مجلس التعاون الخليجي والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية د.عجيل النشمي ان الأوضاع المأساوية والكبت والظلم والجبروت الذي يمارس في بعض البلدان العربية والإسلامية أوجدت ضرورة التغيير على كل المستويات، الأفراد والجماعات والأمة، لأن الإسلام هو دين التحرر ودين السمو والتقدم والعزة والكرام، وقال د.النشمي في حواره مع «الأنباء» حول الأحداث الأخيرة التي جرت على الساحة العربية ودور المظاهرات في سقوط النظم ان النظم العسكرية لايزيل ظلمها وتسلطها الا أمران: انقلاب عسكري مثله فيستبدل الظلم والجبروت بمثله أو أسوأ منه، وإما مظاهرات سلمية شعبية تتحول الى ثورة عارمة وان هذا الأسلوب الأنجع في تغيير العسكر واستبدال العدل والمساواة بالظلم والجبروت. وأكد ان المظاهرات السلمية والشعبية في مصر والتي تحولت الى ثورة شعبية غيرت الوضع الى الأفضل والمأمول أعظم لمستقبل مشرق لمصر وان القيادة المصرية القادمة لن تكون قيادة تطبيعية مع اسرائيل ولا ذليلة لأميركا. ولفت الى ان اختلاف الفقهاء والعلماء ظاهرة طيبة حين اطلع على العديد من الردود من المعارضين والمؤيدين لموضوع طاعة ولي الأمر ولموضوع المظاهرات وانه استبشر خيرا لأن الموضوع حقق غرضه في ايصال معلومة أو رسالة الى القراء ولكن الذي كدر الصفو ان بعض الكاتبين اتبع طريقة التسفيه للرأي المخالف وتخلل عباراته ما لا يليق من المنابزة والهمز واللمز والتجريح منطلقا من ان رأيه صواب قطعا لا يحتمل الا الصحة ورأي المخالف خطأ لا يحتمل الصواب فأهان العلماء بأسمائهم وتدنى في الأسلوب مؤكدا ان أكبر الحاصدين للحسنات الشيخ القرضاوي. وأكد ان المشاركين في مظاهرات تونس ومصر مأجورون ما لم يرتكبوا تخريبا أو إفسادا، فالوسيلة مشروعة والهدف الذي تحقق شيء منه مشروع لا لمصر فحسب بل للأمة العربية والإسلامية، وإلى نص الحوار:
ما تشهده منطقتنا العربية والإسلامية من مظاهرات وثورات على حكامها أحدث مفاجأة غير متوقعة على ساحتنا العربية والإسلامية، نريد من فضيلتكم تحليلا شرعيا لهذا الواقع.
ما تشهده المنطقة العربية والإسلامية هو مرحلة تغييرية تاريخية لم تكن بنت اليوم، ولكنها مرحلة بدأت منذ سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية عام 1924، التي أسقطها اليهود والصليبيون باعتبارها المرحلة الأخيرة للحروب الصليبية. ثم تلا ذلك مرحلة الاستعمار للبلاد العربية والإسلامية ثم جاءت مرحلة حكم العسكر للبلاد باسم حركات التحرر من الاستعمار وحكم العسكر العواصم الإسلامية بخاصة وهي مصر وسورية والعراق.
وعاشت الشعوب الإسلامية والعربية في قبضة العسكر قرابة 90 عاما ينقلب فيها العسكر على العسكر والخاسر الشعوب وتأخر البلاد، ولم تكن الوعود بالتقدم والحرية والمساواة والعدالة إلا شعارات لا حقيقة لها، وثبت للشعوب كذب قادتهم، وخلال هذه الفترة الطويلة لم يكن للإسلام ظهور واختفاء، وكان الكبت والقمع هو أسلوب مواجهة التحركات الاسلامية، ولكن شاء الله ان يرتفع الصوت الإسلامي في هذه السنوات العشرين الأخيرة. واستطاعت الصحوة الإسلامية ان توجد لها مساحة مؤثرة في الساحة الإسلامية والعربية، وغدا وجوده مشهودا في الجوانب أو المظاهر الأخلاقية والسلوكية، ومظاهر الالتزام، والظهور الإعلامي والتربوي، ثم شغل مساحة اقتصادية في تداول المال وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
وهذا الظهور في هذه الميادين له دخل مهم وتأثير واضح في إحداث تغيير في النفوس وفي الواقع، ولكن الشعوب العربية والإسلامية مازالت تتألم من واقعها وتأمل في تغير إيجابي في الجوانب السياسية ونظم الحكم، إذ مازالت القوة في عواصم العالم الإسلامي بيد العسكر. وحيثما وجد العسكر وجد معهم الظلم والجبروت وهم لا يستثيرون الملتزمين الإسلاميين، وإنما يستثيرون الشعوب كلها على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم بطريقة حكمهم الظالمة وهذا ما يوجد المعارضة تجاه الظلم والتحرك الجماهيري في أدنى مناسبة.
وفي ظل الأوضاع المأساوية لبعض البلاد العربية والإسلامية يعاني ويعايش شباب الأمة التطورات الهائلة في العالم من حولنا عالم أميركا وأوروبا، تطورا في شتى مناحي الحياة ويعاينون هذا التقدم العلمي والاجتماعي والتقدم في عالم الاتصالات والتكنولوجيا المتطورة ويقرنون بين هذا الواقع الحضاري والحريات التي كفلت الشعوب تلك البلاد كرامتهم وعزتهم ويدركون ان وراء ذلك كله قيادات مدنية تدير البلاد بكفاءات علمية راقية منحت مساحة من الحرية، حرية الرأي والفكر.
أعتقد ان هذه العوامل مجتمعة، التوجه الإسلامي، الأوضاع المأساوية والكبت والظلم ومقارنتها بأحوال الأمم الراقية أوجد حاجة نفسية داخلية ملحة الى حد الضرورة تنشد التغيير على كل المستويات، مستوى الأفراد والجماعات والأمة.
أعتقد ان التحرك الشعبي كان لابد منه حين بلغ السيل منتهاه، وبرائحة كريهة تأباها النفوس والهمم العالية السامية، ولم يعد للصبر مكمن، فكانت الشرارة الصغيرة كفيلة بإشعال الساحة بأكملها، وستكون في العواصم العربية في الشرق وشمال أفريقيا والعالم العربي والإسلامي ممن تعاني شعوبها الظلم والاضطهاد والحكم السلطوي العسكري أو حكم ظالم آخر بالأمس كان في تونس واليوم في مصر وإن غدا لناظره قريب.
ولا ريب ان جو الحريات ومناخ التحرر، هو المناخ والجو الذي يشيع فيه الإسلام ويشع نوره، فأي إزاحة لظلم هي مساحة لنور الإسلام لأنه دين التحرر من الظالمين ودين السمو والتقدم والعزة الإيمانية.
الظلم والجبروت
ما دور المظاهرات أو الثورات في سقوط النظم، أقصد النظم العسكرية؟
النظم العسكرية لا يزيل ظلمها وجبروتها وتسلطها إلا أمران: انقلاب عسكري، فيستبدل الظلم والجبروت بمثله أو أسوأ منه، وإما مظاهرات سلمية شعبية تتحول الى ثورة عارمة، وهي الأسلوب الأنجع في تغيير العسكر واستبدال العدل والمساواة بالظلم والجبروت، والتاريخ إنما يكتب بداية تقدم الأمم، وسلوك طريق الرقي والتقدم وتحقيق رفاه الشعوب حين يتسلم زمام الحكم وقيادته الأيدي المدنية المثقفة النظيفة، ويتفرغ العسكر لمهمتهم السامية الشريفة في حماية الوطن ومكتسباته.
وتاريخ اوروبا شاهد على ذلك، فالقيادات العسكرية هي التي قادة التحرر الوطني من الاستعمار ثم سلمت الادارة الى المدنيين، ومن بقي في الحكم أزاحته المظاهرات والثورات الشعبية، وهكذا الحضارات لا ينهض بها الا المدنيون، اهل العلم والتخصصات، وما يؤدي بها الى التخلف والهلكة الا العسكر او حكم مستبد ظالم وانظر الى واقع الدول اليوم تجد صدق هذه المقولة انظر الى تركيا في قيادة العسكر والقيادة المدنية، وانظر الى تقدم ماليزيا، وهما خير مثال في مجال الدول الاسلامية.
مظاهرات مصر وتونس
هل ادت هذه المظاهرات والثورات في تونس ومصر دورها وهل كان دورها ايجابيا ام سلبيا؟
هذا مما لا ينبغي الاختلاف فيه: فإن الواقع يشهد ان اوضاع تونس اليوم افضل مما كانت عليه ايام العسكر، صحيح ان التغيير نسبي ولكنه نسبي ايجابي، وامامهم طريق طويل للوصول للأمثل لكنه تغيير ادخل على الناس الرضا وحاز القبول، وكذلك الوضع في مصر المظاهرات السلمية الشعبية التي تحولت الى ثورة شعبية غيرت الوضع الى الافضل بلا ريب، والمأمول أعظم والمستقبل مشرق امام مصر.
ودور المظاهرات ونجاحها في التغيير انما يدرك مداه المحللون السياسيون اكثر من غيرهم، وبخاصة في مصر، فمصر رأس حربة المسلمين اجمعين، وتأثيرها الاسلامي خير شاهد، ومن هنا تحسب لها اميركا واوروبا واليهود حسابا ليس لغيرها، فارتفاع رأس مصر رفعة للمسلمين، وكل مستقبل مشرق لها يعم اشراقه العالم الاسلامي، ولأمر ما قال الشاعر عن مصر حين تنطق:
انا ان قدر الإله مماتي
لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي
وهم يدركون ان التغيير في مصر تغيير في المنطقة، ونحسب وندعو ان القيادة المصرية المقبلة لن تكون قيادة تطبيعية مع اسرائيل، كما انها لن تكون او هكذا ينبغي الا تكون قيادة طوعية ذليلة لاميركا، وانها ستتبنى اسلوب العزة والبناء الحقيقي ولو لم تتبن الاسلام منذ يومها الاول منهجا، لكنها ستجد نفسها على مساره يوما ما، وستجد نفسها على النهج التركي الناجح، بل افضل منه، وهذا بلا ريب مكسب اسلامي على كل حال.
طاعة ولي الأمر
ما رأي فضيلتكم في الردود والحوارات بشأن موضوع «طاعة ولي الأمر» وموضوع المظاهرات التي كان بداية اختلاف الرأي من مقالكم حول «طاعة ولي الأمر»؟
نعم اطلعت على العديد من الردود من المعارضين والمؤيدين لموضوع طاعة ولي الأمر، ولموضوع المظاهرات ومدى شرعيتها بين مؤيد مبيح ومعارض محرم، وسعدت كثيرا واستبشرت خيرا، لان الموضوع حقق غرضه من ايصال معلومة او رسالة الى القراء الكرام بأن هذين الموضوعين فيهما وجهات نظر محتملة الصحة، وان الاختلاف فيهما سائغ ورسخ في ذهن القارئ بعض المفاهيم، فطرح الرأي والاختلاف يترك للقارئ ان يتخير بين الاتجاهين ما يرى انه مقنع من حيث ادلته واستشهاداته، فاعتقد ان هذه ظاهرة طيبة ان يختلف الفقهاء او العلماء وحتى طلبة العلم، ويدلي كل بحجته، ولكن الذي كدر الصفو ان بعض الكاتبين من الجانبين اتبع طريق التسفيه للرأي المخالف، وتخلل عباراته ما لا يليق من المنابزة والهمز واللمز والتصريح والتجريح، منطلقا من ان رأيه صواب قطعا لا يحتمل الا الصحة ورأي المخالف خطأ لا يحتمل الصواب فتدنى في الاسلوب الى حد بعيد، فأهان العلماء بأسمائهم، وما يدري انه يهدي من حسناته للغير، وكان اكبر الحاصدين للحسنات الشيخ يوسف القرضاوي هذا ما كدر، وما عداه فكان حوارا راقيا فجزى الله الجميع مؤيدا او معارضا خيرا.
نختتم هذا اللقاء بسؤال مهم ما رأي فضيلتكم في تقييم المظاهرات في الميزان الشرعي نقصد بالنسبة للمشاركين في هذه المظاهرات في تونس ومصر؟
انا اعتقد مطمئنا الى ان الميزان الشرعي او الحكم الشرعي لهذه المظاهرات والمشاركين فيها ممن لم يرتكبوا تخريبا او افسادا يقتضي القول بأنهم مأجورون على ما بذلوا من جهد وتضحية وبذل من وقتهم وأموالهم وأعصابهم، فأجرهم على قدر ما بذلوا، وما تحقق لهم ولغيرهم ولأمتهم من خير ومصالح في الاطاحة بالظلم واعوانه، آثار تعود ليس على مصر فحسب بل على الامة الاسلامية، فالاجر فرع صحة ما قاموا به من الناحية الشرعية، فالوسيلة مشروعة وهدفها الذي تحقق شيء منه مشروع، فالمظاهرات قد حققت مصالح لا ريب، لا لمصر فحسب بل للامة العربية والاسلامية، ودفعت مفاسد لا ريب لا عن مصر فحسب بل عن الامة العربية والاسلامية، وحيثما كان ذلك كذلك فثم شرع الله، فشرع ربنا تحقيق مصالح ودفع مفاسد، وليس بعد الشرع والعقل والواقع من مستمسك لاحد، ولو كنت بينهم لوجبت نصرتهم والهتاف معهم، ولكن وجبت الدعوة لهم ولمصر العروبة والاسلام، ان يعيد الله مصر الى سدة الريادة الاسلامية فالعالم الاسلامي احوج ما يكون الى قيادة.
واذا قلنا ان المظاهرات حرام وباطلة فإن ما قاموا به غير جائز ويستحقون عليه الاثم، فهم آثمون، وفي تأثيم الملايين نظر وحرج اذ لا تجتمع الامة بملايينها هذه على ضلالة، ولا أظن عاقلا مصريا او مسلما لم يفرح بإزاحة الظلم واعوانه في تونس ومصر، فكيف لا يكون لمن كان سببا في هذا الخير من خير، اسأل الله الا يحرمهم الثواب والاجر.
الرقم : 025/2010
التاريخ : 05 / صفر / 1432 هـ
الموافق : 09 / يناير / 2011 م
P
مفهوم طاعة ولي الأمر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين.
في أحداث مجلس الأمة الكويتي الأخيرة نشرت مقالات في مفهوم " طاعة ولي الأمر " كانت تحتاج إلى توضيح آثرنا بيانه الآن بعد هدوء الأحوال ، والحمد لله :
فإن مما لا خلاف فيه أن طاعة ولي الأمر واجبة على كل مسلم ومسلمة بنص كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول " واتفق المفسرون على أن طاعة الله مطلقة وطاعة رسوله مطلقة ، ولكن طاعة ولي الأمر مقيدة بالمعروف ، ولذا لم تكرر الآية لفظ " وأطيعوا " عند ذكر أولى الأمر. كما أن الآية ردت ما يختلف فيه مع الحاكم وغيره إلى الله ورسوله فالطاعة ليست مطلقة وقال صلى الله عليه وسلم : " إن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله تعالى " وأظن أن مفهوم طاعة ولي الأمر ينغي أن ينظر إليه من جوانب عدة
أولاً : لا سمع ولا طاعة في المعصية والخطأ : وهذا أصل مقرر شرعاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف " ولا يعني عدم السمع والطاعة موقفاً سلبياً ، بل يجب إنكار المعصية وعدم إقرارها أو السكوت عليها ، فلا يتابع الحاكم ولا يقر على المعصية ، وأيضاً لا يتابع ولا يقر على الخطأ، وهذا أصل في ديننا أن لا يقر أحد على الخطأ بل يعدل أو يطلب منه تعديله ، حتى إمام المصلين يتابع في كل شأن الصلاة إلا الخطأ فيها فلا يتابع.
ثانياً : النصح لولي الأمر لا ينافي السمع والطاعة : فقد خص النبي صلى الله عليه وسلم الحاكم بالنصيحة ، وجعل النصيحة إليه واجبه ومقدمة على نصيحة الرعية ؛ لأن بيده سلطة التغيير والحكم على العامة ، فقال : " الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ، قال : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " . وأهل العلم معنيون بتوجيه النصح أمراً ونهياً ، ولذا كان من أصول ديننا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصح في دائرته ، فلا تعارض بين النصح ولو بلغ حد الإغلاظ فيه وبين السمع والطاعة ، بل النصح من مقتضيات السمع والطاعة وإن صاحبه الأذى للناصح وتاريخ علمائنا شاهد على ذلك .
ولما كان للنصح وسائله ، اختلفت الوسائل تبعاً لظروف الزمان والمكان والنظم والأعراف ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأصل في نصح الحاكم أن يكون النصح خاصاً لا عاما ولا علانية ، فقال صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح : " من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبد علانية ، ولكن يأخذ بيده ويخلو به ، فإن قبل منه فذاك ، وإلا كان قد أدى ما عليه " ، وهذا النصح بالسر لمن يجدى نصح السر معه وإلا فالجهر مشروع بل مطلوب ليعلمه الكافة فينكروه ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم " أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " حديث صحيح رواه الهيتمي . وهكذا كانت نصائح العلماء على مر التاريخ فالجهر والإسرار حسب الظرف والمصلحة .
وقد تنوعت واتسعت اليوم سبل النصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عما كانت عليه سلفاً وهو تبعاً لمساحة الحرية المتاحة ، فليس كل حاكم أو نظام يفتح أبوابه للسمع مباشرة ، بل هناك قنوات وضعت له ، أو عبر أعوانه ، أو وزرائه أي حكومته ، أو عبر المجالس النيابية ، أو وسائل الإعلام المختلفة التي ارتضى الحاكم حدودها بإقراره الدساتير والقوانين التي تحدد الحدود ، وتبين السبل ، فكل ما كان كذلك فهو مسموح به قانوناً.
ثالثاً : إبداء الرأي أو المظاهرات لا تنافي السمع والطاعة : فالحكام والنظم بين مضيق ومتوسط وموسع في شأن الحريات وإبداء الناس آراءهم ، وليس كل رأي يعلن عنه ، ولا كل مسيرة أو مظاهرة يسمح بها ، وإنما الدساتير والقوانين تحد حدودها ، والدول الحضارية توسع ، والدول المتخلفة تضيق ، ودولنا متوسطة ، ولعلها على خير الأمور ، ولكل بلد ظروفه وموروثاته وأعرافه ، ولا يصح وصف من يعبر عن رأيه في صحافة أو غيرها ، أو يعبر عن رأيه بمسيرة أو اعتصام أو مظاهرة أنه يعارض قول الحاكم أو يثير الفتنة ، فهو مخالف للشرع لأنه عصى ولي الأمر. فإن ما سمح به ولي الأمر والدساتير فهو في دائرة المباح وهذا في الحالات والظروف العادية السلمية . ودستور الكويت من هذه الدساتير التي تحترم عقول الناس ، وتفترض فيهم حسن الظن والحرص على مصلحة الوطن ، ففتحت للناس أن يعبروا عن آرائهم بكل الوسائل المشروعة قانوناً حتى الاعتصامات و المسيرات والمظاهرات اعتبرتها نوعاً من أساليب التعبير المسكوت عنه فنص الدستور على أن " لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما ، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون " فالأصل جواز التعبير بكل وسيلة حتى بالاعتصامات و بالمسيرات والمظاهرات والتجمعات ، ما لم يصدر من ولي الأمر منعها ، أو تقييدها تبعاً للظروف والأحوال. وقواعد ومقاصد شريعتنا تعتبر المظاهرات وسيلة وهي اليوم وسيلة حضارية ما دام هدفها سامياً ، فالأصل في الوسائل الجواز ما دام هدفها نبيلاً يحقق مصالح الناس ، وقد تكون الوسيلة واجبة إذا تعينت طريقاً للإصلاح أو توصيل الرأي ، أو هي مطلوبة مرغوب فيها لنصرة الحق ،مثل تعبير الناس عن فرهتهم بالتحرير فتظاهر الكبار والصغار تعبيرا عن هذه الفرحة ، ومن ذلك نصرة قضايا المسلمين العامة ، فقد كانت المظاهرات والمسيرات الوسيلة المؤثرة في نصرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين تعرضت ذاته للانتقاص والسخرية ، فالحدث لا تكفيه البيانات والشجب ، وإنما يستحق أن تتحرك الشعوب لتعبر عن مشاعرها الجياشة نصرة لنبيها ، فتحرك العالم بتحركهم ، وقضية فلسطين ما حركتها إلا المظاهرات وأحداث غزة آخرها تجاوب العالم الغربي قبل المسلمين نصرة لأهل فلسطين ورأينا المظاهرات تجوب العالم أجمع . فالمظاهرات والمسيرات من حيث الأصل مباحة إذا أذن بها الحاكم وسارت ملتزمة بالنظم والقوانين ، وما دامت محققة للمصالح ، فإن خرجت من المصلحة إلى المفسدة من إتلاف وتكسير وإثارة فتنة لزم منعها درءاً للمفسدة ، فالمنع لاستغلالها في غير مقاصدها وأهدافها السامية في التعبير عن الأراء والتوجيهات لا لذاتها.
ولا يبعد القول عن الصحة إن قلنا : إن المظاهرات قد تكون مشروعة ومطلوبة ولو لم يأذن بها الحاكم ونظامه إذا قابلها بلوغ ظلم الحاكم مداه فعطل الشرع وحارب أهله ، وصادر الحريات وكمم الأفواه ، وملء السجون ، وأشاع الفساد ، وأساء توزيع الثروة فحارب الناس في أرزاقهم فقتر عليهم ، وأسرف على نفسه وأعوانه . فتركه والحال هذه إلقاء بنفوس العباد والبلاد إلى التهلكة ، فالمظاهرات نعمة الوسيلة حينئذ فهي أفضل وإن ترتب عليها بعض المفاسد والتضحيات بالمال وبالأنفس فيحتمل هذا دفعا للفساد الأعظم القائم . وهي – كما تدل الوقائع - ستحقق بعض المصالح في تعديل الأوضاع وتخفيفها أو قلع الظالم والنظام من جذوره وهي في الترتيب الفقهي أولى من الإنقلاب العسكري الدموي .
رابعاً : إبداء الرأي بكل الوسائل لا يعني الخروج على الحاكم : فقد يخلط البعض بين وجوب السمع والطاعة والخروج على الحكام المسلمين ، فهذا خلط بين المشروع والممنوع وتحميل الشرع ما لم يحتمله أو يقره ، فدائرة النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مضادة لدائرة الخروج على الحاكم ، فالأصل وجوب النصح ، والأصل هنا حرمة الخروج ؛ ولذا عني الفقهاء بالأصل الأول فوسعوا فيه توسعة كبيرة جداً ، وضيقوا في الثاني تضييقاً كبيراً جداً ، وهذا فهمهم من الأحاديث الصريحة في التوسعة أو التضييق ، فلم يجيزوا الخروج على الحكام إلا بتحقق شرطين متلازمين :
الأول : تعطيل شرع الله ، وظهور الكفر البواح الذي قام عليه الدليل والبرهان.
الثاني : القدرة على إقامة الشرع ومحو الكفر وإزالة من أمر به إذا لم يؤد ذلك إلى شر وفتنه أعظم.
خامسا : ضرب الظهر لا يعني إقرار الحاكم الظالم : إن من لا يعرف أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمع وأطع ".
فيحمل الحديث على أن ضرب الظهر وأخذ المال يلزمه السمع والطاعة دون إنكارمطلقا ، وهذا الظاهر يجعل الشريعة ساترة وستارا للظلم والظالمين ، وسيفاً على رؤوس وظهور ورقاب المستضعفين ، وهذه إساءة للشريعة التي جاءت لرفع الظلم وإقامة العدل ، وهى إساءة جمعت بين الجهل بالأحكام وتزيين الباطل باسم الدين ، حاشا ذلك لشريعة هي عدل كلها وحكمة كلها وصلاح كلها.
وأهل العلم إنما يفهمون من هذا الحديث أموراً عدة ليس واحداً منها ما ذكر :
أولاً : أن السمع والطاعة مع جلد الظهر ليس سمعاً وطاعة لحاكم يستحق السمع والطاعة ، إذ لا يفعل ذلك إلا ظالم ، ولا طاعة برضى لظالم ، وإن هذا السمع والطاعة هو طاعة المكره بقلبه الذي لا يملك حولاً ولا قوة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " والنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من استمراء الباطل والرضى به ، بل من يستطيع تغييره وجب عليه ، فقال صلى الله عليه وسلم قاعدة عامة ماضية : " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " واللفظ عام في الظالم محكوماً أو حاكماً .
ثانياً : الحديث يعرض صورة من صور ظلم الحكام على سبيل الذم ، فواجب الحاكم أن يعدل في رعيته فيحفظ عليهم دينهم ودماءهم وأبشارهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم ، فإن ظلمهم بجلد أبشارهم وسلب أموالهم ، ونحو ذلك من الظلم ، فقد شرعيته – فإن تحققت شروط قلعه قلع - واستحق العقوبة من الله ، والله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته إن في الدنيا أو في الآخرة.
وقد ضرب أبو جعفر المنصورالإمام أبا حنيفة بالسياط ضربا شديدا ، وضرب جعفر بن سليمان الإمام مالكا ثمانين سوطا وقد مدوه في الحبل بين يديه حتى خلعوا كتفيه ، كما ضرب المعتصم الإمام أحمد بن حنبل بالسياط حتى خلعت يداه . وفي هذه الحوادث فوائد تشمل ما سبق من نقاط منها : أن هؤلاء أئمة الهدى والفقه أهينوا وتضررت أجسادهم لكنهم لم يدعوا إلى الخروج على الحاكم ، لأنهم يعلمون أن شروط الخروج لم تتحقق . ولكنهم في الوقت ذاته لم يسكتوا على الظلم ، وظلوا يجهرون بالحق ويبلغونه الناس ولو عارضه الحاكم ؛ لأنهم على الحق وما عليه الحاكم منكر . فلم يروا في إنكار المنكر خروجا على الحاكم ، ولم يروا سقوط واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فطاعتهم كانت طاعة المكره . ولم تكن الدولة بالسوء الذي لا يحتمل بل كان الشرع سائدا والعدل قائما - بالجملة - ولو جار حاكم فقد يليه من هو خير منه، فأصل حكم الشرع قائم ولم يبح كفر بعد.
ثالثاً : أن إقرار ظلم الحاكم بجلد الظهر وسلب المال ونحوه استثناء من أصل إقامة العدل ، وأن الواجب العمل لتحقيق الأصل في إقامة الشرع ، ونبذ الظلم ، والاستثناء يسكت عنه ويحتمل لظرفه ، وهو هنا ظرف ضعف المسلمين وغلبة الظالمين ، فإن تغير الظرف وأمكن قلع الظالم بفساد أقل ، وجب قلعه بعد جلد ظهره هو وإعادة الحقوق إلى أهلها ، فالسكوت عن الظلم ليس رضاً به وإنما دفعاً لمفسدة وشر أعظم فمتى غلب على الظن اختلاف الأحوال فيعمل على إقامة العدل والشرع.
رابعاً : أن سياق الحديث مخصوص بآخر الزمان حين تصير الأمور إلى الحكام الظلمة ، فتصبح مهامهم جلد الظهور وسلب الناس أموالهم فهو زمان الشر المستطير ، عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال : قلت : يا رسول الله ، إنا كنا بشر فجاء الله بخير ، فنحن فيه ، فهل من وراء هذا الخير شر : قال : نعم ، قلت : وهل من وراء ذلك الشر خير ، قال : نعم ، قلت : فهل من وراء ذلك الخير شر ؟ قال : نعم ، قلت : كيف ؟ قال : " يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ، ولا يستنون بسنتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس " قال قلت : كيف أصنع يا رسول الله ، إن أدركت ذلك ، قال : " تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع". صحيح مسلم .
ويمكن أن يضاف لما سبق : القول بأن صيغة الحديث الشريف وتركيبه اللفظي " السمع والطاعة للأمير وإن ضرب ظهرك .. " يحتمل عدة معان تعرف في علم الأصول بدلالة اللفظ ، أي أن المعنى ليس قاصراً على السمع والطاعة وإن جلد الحاكم الظهر وسلب المال .
فيحتمل أن المراد المبالغة في السمع والطاعة عند العجز عن تغيير ورفع ظلم الحاكم ، ولو بجلد الظهر ، يدل ذلك ،حرف " وإن ".
كما يحتمل أن الخطاب للخاصة من العلماء والدعاة إذ مهمتهم مهمة الأنبياء فعليهم تحمل الأذى الخاص في سبيل دفعه عن العامة.
كما يحتمل حمل اللفظ على أن هذا الضرب والسلب مثال للظلم الممكن احتماله ، وقد يكون الظلم بأساليب لا تحتمل كقطع الأعضاء والكي بالنار ونحوه مما هو معلوم وواقع اليوم في العديد من ديار الظلم والظالمين ، وهذه الاحتمالات تزاحم المعني الأول وهو السمع والطاعة المطلقة ، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط أو ضعف به الاستدلال.
وأخيرا فإن الزج بالشريعة وعلمائها في ميدان الطاعة المطلقة والترهيب بالخروج على الحكام مطلقا وويظهر العلماء بصورة المخذلين والمثبطين والمجملين لوجه الظلم وأعوان الظالمين ، حاشاهم ذلك ، وموقعهم على مر التاريخ نصرة المظلومين ، وغياث المستضعفين ورأس الحربة في مواجهة الظالمين ، فهم إلى صف الحق ونصرة العامة أقرب منهم إلى غيرهم.
ولذا كانواعلى مر التاريخ الوقافين أمام ظلم الظالمين ، وكانوا نصرة للفقراء والمستضعفين . وهم اليوم في التاريخ الحديث قادة ثورات التحرر الوطني من الاستعمار وهم الذين أعلنوا الخروج عليه وما استكانوا حتى خرج مخذولاً بقوة السلاح. والله أعلم .
الشيخ . عجيل جاسم النشمي